أميركا تودع أكثر حملة بائسة لتستقبل أكثر رئاسة مضطربة

07 نوفمبر 2016
الصورة
المعادلة يبدو أنّها استقرّت بصورة آمنة لصالح كلينتون(تيموثي كلاري/AFP)
+ الخط -
بعد أقل من 24 ساعة، تُفتح صناديق الاقتراع، ويسدل الستار على أسوأ حملة انتخابية (بالمعايير الأميركية) عرفتها الولايات المتحدة. بضاعتها كانت رديئة فوق العادة، وخطابها أكثر رداءة. وطبعاً ترامب متفوق في الاثنين. ولهذا ثمة شعور أميركي واسع بالارتياح لأنها صارت من الماضي، بعد سباق طويل تميز بالابتذال والتراشق بالوحل؛ بحيث تحول الاختيار من مفاضلة بين الجيد والأجود، أو الجيد والسيء؛ إلى مفاضلة بين السيء والأسوأ.

على هذه الخلفية، جاءت الآن لحظة الحساب، ويبدو أن ما كُتب قد كُتب. الجولات الأخيرة التي لا تتوقف، قبل صباح يوم الانتخاب، لن تقوى على تغيير المعادلة التي يبدو أنها استقرت بصورة آمنة لمصلحة كلينتون، على الرغم من أنّها اختلت الأسبوع الماضي، إثر قنبلة مراسلات كلينتون الإلكترونية.

لكن خلال عطلة نهاية الأسبوع، جرى استنفار كبير في أوساط الأميركيين السود المترددين، كما في صفوف الناخبين من الجالية اللاتينية ذوي الأصول الأميركية الجنوبية، الرافضين أصلاً لعنصرية ترامب ضدهم، والذين يشكلون شريحة وازنة في ولايات حاسمة. قبل أن تصدر رسالة عن مدير "أف بي أي"، بالأمس، ليزيل فيها الشبهة حول كلينتون في قضية الإيميل. تطور عزّز أمل الحزب الديمقراطي بالفوز، ولو أنه رسم علامة استفهام حول تسرع هذه المؤسسة في رمي كلينتون في دائرة الشبهة، ثم السرعة في سحبها منها.

تضافر هذه العوامل، مع تهيب فئات من المستقلين من مخاطر رئاسة ترامب، أدى إلى تمكين كلينتون من استعادتها زمام المبادرة، إلى الحدّ الذي يوحي بتمكينها من العبور إلى البيت الأبيض. وإذا كانت العملية "لا تنتهي قبل أن تنتهي"، فإن "البارومتر" الانتخابي المعوّل عليه عادة والذي نادراً ما أخطأ، يؤشر اليوم، وبشيء من الثبات، إلى مثل هذه النتيجة.

حتى الجهات والدوائر المناهضة لكلينتون تعترف بهذا الواقع. فهو احتل اليوم العناوين الرئيسية للصحف المحافظة المناوئة لكلينتون. يعزّز ذلك أن ترامب عاد، أمس، في جولاته الانتخابية، إلى لغته التحريضية الخشنة؛ بعد أسبوع من الخطاب الهادئ. لعلّه شعر أن حملته تسير نحو خسارة محققة، وقد تكون بحجم هزيمة محرجة له وللجمهوريين.

مثل هذه النهاية كانت متوقعة من البداية؛ علل ترامب الفاضحة كانت ضمانة للخسارة. وحدها سقطات كلينتون شفعت له. لقد بنى رصيده، في الأساس، على أعطابها التي لو كان في مواجهتها شخص غير ترامب، لكانت كافية للإطاحة بها. لكن المآخذ عليها تقزمت بالمقارنة مع حال خصمها الذي لم يتحمله حتى قسم كبير من حزبه. كثير من قيادات ونخب الجمهوريين ابتعدوا عنه. بل منهم من رفضه علناً، حتى في لحظات بدا فيها أن احتمالات فوزه ليست مستبعدة. لولا الأجواء العامة الناقمة على الطبقة السياسية، ما كان بإمكان ترامب أن يتسلق جدار الترشيح.

لكن صقور الجمهوريين من المحافظين، عازمون على تصفية الحساب مع حزبهم ومع كلينتون،
فالحزب الجمهوري مشتبك مع نفسه وشبه مفكك، ومن الصعب أن يستعيد وحدته، بينما يعتزم المتشددون خطفه كما خطفه ترامب. هذا الأخير زاد من تشظيه، وربما تحول إلى أجنحة متنافرة بعد الانتخابات، وهؤلاء بحاجة إلى هوية خاصة تميزهم، وتشدهم إلى القاعدة الصلبة من اليمين الذي غادر الحزب، كما بدا في الانتخابات التمهيدية. هذا الجناح تمسك قبضته الآن بمجلس النواب، إن لم تكن مسيطرة تقريباً عليه. ومن المتوقع أن تبقى كذلك بعد الانتخابات.


هذا الفريق مصمم على تكبيل رئاسة كلينتون، وليس فقط عرقلتها. أقطابه يلوّحون، من اليوم، بمواصلة التحقيقات الجنائية ضدها في قضية الإيميل. ومنهم من دعا إلى محاكمتها في الكونغرس لعزلها. هذا إذا مضت عملية الاقتراع بدون صداع المنازعة حول نتائجها. لن يدخر هؤلاء وسيلة للتخريب على رئاستها. أصوات التحذير تتردد منذ الآن، وبما يشير إلى أن مرحلة الحملة الانتخابية ربما كانت، على رداءتها، زوبعة في فنجان، مقارنة بما هو آت بعد يوم الانتخاب، خاصة إذا تعذر على الحزب الديمقراطي استرجاع الأكثرية في مجلس الشيوخ.

مع بدء العد العكسي بالساعات تغادر أميركا انتخابات ملوثة وتستعد لاستقبال أكثر رئاسة مضطربة، إلا إذا تدخل المجهول وفرض عليها رئاسة ترامب.. الكارثية.