أميركا بين جموح ترامب و"الدولة العميقة"

أميركا بين جموح ترامب و"الدولة العميقة"

12 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
لا يكاد دونالد ترامب يفوّت فرصةً، عامداً أم غير عامد، من دون أن يُذَكِّرَ بأن رئاسته وضعت الولايات المتحدة على مفترق طرق، حيث أن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ اليوم أين سينتهي المطاف بهذه الرئاسة، بل وبالبلد ككل. بالنسبة لترامب ومؤيديه، فإن أسلوبه في الحكم لا يؤشر إلى فوضويةٍ، وتخبط في السياستين الداخلية والخارجية، بقدر ما أن الأمر متعلقٌ برئيس قادم من خارج المؤسسة التقليدية الحاكمة، لِيَنْكُتَ عنها صدأها ويجفّف مستنقعاتها. أما خصومه وناقدوه، فيرون فيه رجلاً أرعن، ضحل الفهم، وغير قادرٍ على استيعاب معادلات الحكم وتعقيداته. بغض النظر عن أي المقاربتين أدقّ، فهذا ليس موضوع المقال، إلا أن الثابت الوحيد أن رئاسة ترامب تمثل طرازا غير مسبوقٍ في تاريخ الرئاسات الأميركية، على الأقل في الذاكرة المعاصرة. الأهم من ذلك والأخطر أن وصول الرجل إلى الرئاسة، ضمن سياق تصاعدٍ للشعبوية في أميركا، وحديثٍ جادٍّ عن تدخل روسي في العملية الانتخابية لصالحه، يشير إلى أن الولايات المتحدة تعيش معضلة وتحدياً يمسّان استقرارها وهيبتها معا.
لا يحتاج التقويم العام السابق إلى دلائل تؤكّد عليه، فهي كثيرةٌ منذ كان ترامب مرشّحاً للرئاسة، وقد قيل فيها الكثير. وبهذا، فإن مسألة إقالة ترامب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، جيمس كومي، تغدو مجرّد مثال آخر. المشكلة الحقيقية التي تواجه النظام السياسي الأميركي برمته اليوم أن أفعال ترامب وتصرفاته تهدّد أرضية ذلك النظام كله، والقائم على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية. تاريخياً، يُضْمِرُ الأميركيون حساسيةً نحو الحكم المطلق، وتركيز السلطات في يدِ شخص واحد، أو مؤسسة واحدة، أو حتى فرع واحد من السلطة. ولذلك، وضع الآباء المؤسسون للولايات المتحدة نظاما عرف بـ"الضوابط والتوازنات"، بحيث لا تطغى سلطةٌ من السلطات الثلاث على الأخريين. وقد وَجَدَ رؤساء كثيرون، انتخبوا بناء على وعود كبيرة، أنفسهم يواجهون مؤسسة حكمٍ معقدة، عندما
اكتشفوا أنهم غير قادرين على توجيه دفة الحكم والأمور كيف شاؤوا، وفي أي اتجاهٍ أرادوا، ومن هؤلاء ترامب نفسه، الذي راقب، من دون حول منه ولا قوة، القضاء يعطل بعض قراراته، مثل قرار حظر دخول عدد من مواطني بعض الدول الإسلامية إلى الولايات المتحدة، بل إن تحدّي قرارات ترامب لم يأت من داخل سلطتين موازيتين، هما التشريعية والقضائية، فحسب، حيث أنه واجه تحديا، كذلك، من داخل الفرع التنفيذي الذي يخضع لسلطته مباشرة، سواء في السياسة الداخلية، مثل رفض القائمة بأعمال وزارة العدل السابقة إنفاذ أمره التنفيذي بحظر دخول رعايا بعض الدول الإسلامية إلى الولايات المتحدة، أو تعويق موظفي وزراتي الخارجية والدفاع، من البيروقراطيين، غير المعينين سياسيا، لكثير من طموحاته، كالانفتاح على موسكو.
وعودةً إلى قرار إقالة كومي، وبعيدا عن الزعم غير المقنع بأنه جاء على خلفية تعامله غير المهني، وغير الكفؤ، مع استخدام وزيرة الخارجية السابقة، ومنافسة ترامب في الانتخابات الرئاسية، هيلاري كلينتون، بريدها الإلكتروني الخاص، فإن الملابسات المحيطة بالقرار تشير إلى رئيسٍ يبحث عن سلطةٍ مطلقة. بداية، سبق لترامب نفسه أن مدح، غير مرة، كسر كومي قواعد عمل "إف بي آي"، عندما أعلن، قبل أقل من أسبوعين من الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أن مكتبه أعاد فتح التحقيق في استخدام كلينتون بريدها الخاص، بدل بريد وزارة الخارجية، عند ترؤسها لها. وثمة شبه إجماعٍ في الولايات المتحدة على أن إعلان كومي ذاك ساهم في هزيمة كلينتون وفوز ترامب، بل إن ترامب نفسه أعلن ثقته بكومي في شهر أبريل/ نيسان الماضي.
إذن، ما الذي تغير خلال أسابيع قليلة؟ ذكرت مصادر مقربة من كومي في "إف بي آي" سببين أغضبا ترامب من المدير المقال. الأول أن كومي رفض أن يقدّم ولاء مطلقا للرئيس. والثاني، أن كومي رفض أن يوقف تحقيقات مكتبه في العلاقة المزعومة بين حملة ترامب الانتخابية وروسيا. وبقراره إقالة كومي، يكون من الواضح، أن ترامب وظّف حجةً منطقيةً في قرار الإقالة، وهو تدخل كومي في العملية السياسية الأميركية خلال الانتخابات الرئاسية، في تحدٍّ واضح لمسؤوليه في وزارة العدل حينها، غير أن السياق والحقيقة لا يمتّان لتلك الحجة بصلة. فقد جاءت الإقالة بعد حوالى أربعة أشهر من تولي ترامب الحكم، وعلى خلفية مسألة أيدها ترامب مرشحاً ورئيساً. أما الأهم، فإنها جاءت مع إصرار كومي على متابعة التحقيقات في الدور الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وما إذا كان ثمّة تعاون قد تمَّ حينها بين حملة ترامب والكرملين.
يعيدنا ما سبق، مرة أخرى، إلى أن ترامب لا يعترف بحدود صلاحياته التي يحدّدها ويضبطها
الدستور. وبالتالي، فإنه يحاول تغييرها بأي طريقةٍ ممكنة. فحين عطل القضاء بعض قراراته، شَنَّ حملة شعواء عليه، ماسا بذلك المبدأ الأصيل في الدستور الأميركي: "الضوابط والتوازنات". وعندما بدأ الكونغرس في التحقيق في علاقات حملته المزعومة مع روسيا، قام بممارسة ضغوط وحيل وألاعيب لتضليله، بل ومطالبته بحرف اتجاه تحقيقاته نحو زعمه أن إدارة باراك أوباما تجسّست عليه خلال ترشحه للرئاسة، وحتى بعد انتخابه. ثمَّ بادر إلى طرد مدير "إف بي آي" لأنه رفض أن يقدم ولاءه الشخصي له، وأصرّ على استكمال التحقيقات في التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وعلى الرغم من أنه يحق لترامب، دستوريا وقانونيا، طرد أي شخص يعمل تحت إمرته في السلطة التنفيذية، غير أن المشكلة هنا أنه طرد مسؤولا أمنيا في خضم قيامه بتحقيق جنائي يمسّه شخصيا، أي ترامب. بمعنى آخر، ثمّة احتمال قوي بوجود دوافع شخصية، لا موضوعية هنا.
كثيرا ما برّر الرئيس السابق، أوباما، فشله في تحقيق العديد من وعوده الانتخابية، بأنه ليس ملكاً ولا إمبراطورا، كناية عن محدودية صلاحيات مؤسسة الرئاسة الأميركية. ومن الواضح أن ترامب، كشخص نرجسي، يرى أن ذلك غير مقبول، فخبرة ترامب في عالم الأعمال قائمة على شركاتٍ يملكها هو وأفراد عائلته، وبالتالي، فإنه لم يعتد على أن يكون لديه شركاء وأعضاء مجالس إدارة يتحدّونه، وهو يظن أنه قادرٌ على أن يفرض هذا النمط في حكم دولةٍ كبيرة ذات نظام معقد، كالولايات المتحدة. وسيكون من المثير متابعة فصول الصراع بين جموح ترامب الشخصي وما وصفها مسؤول في البيت الأبيض بـ"الدولة العميقة" التي تحاول إفشاله. لو كنت مراهناً، لراهنت على أن "الدولة العميقة" ستكسر جموحه في المحصلة، ولكن ذلك لن يتم من دون ثمن كبير على استقرار النظام السياسي الأميركي.