أميركا بالمنعطف الخطر... والفيدرالي يضخ ترليونات دون حدود لإنقاذها

25 مارس 2020
الصورة
قلق في صالات التداول بسوق وول ستريت (Getty)
+ الخط -
في خطوة أشبه بتأميم سوق المال الأميركي أو"احتكار تعاملاته" التجارية، يواصل مصرف الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) ضخ ترليونات الدولارات من دون حدود لضمان عدم حدوث انهيار في أسواق المال والمصارف الأميركية، أو حدوث كساد اقتصادي شبيه بما حدث في الولايات المتحدة عام 1929. 

كما يعمل الاحتياط الفيدرالي في ذات الوقت وبالتنسيق مع المصارف المركزية الكبرى في العالم لضمان سلامة نظام الائتمان العالمي عبر ضخ كل الدولارات المطلوبة في أسواقها لتسيير عمل المصارف التجارية وتنشيط دورة الاقتراض بين البنوك والشركات.

وحسب مصرف "جي بي مورغان"، أكبر المصارف الأميركية، فإن "العالم يمر حالياً بأكبر أزمة سيولة في التاريخ". وفي هذا الشأن، ذكر مارك هولمز، الذي يتعامل في بيع الأصول في لندن في تعليقات نشرتها صحيفة " فاينانشيال تايمز"، أمس الثلاثاء، أن هنالك صعوبة حالياً حتى في بيع السندات الأميركية.

وقال الخبير هولمز، "إن تجاراً حاولوا بيع سندات خزانة أميركية أجل 30 عاماً وعرضوها لثلاثة مصارف اثنان منها رفضت شراءها". وأضاف هولمز" هذا شيء غير عادي وسابقة لم تحدث من قبل في السوق".

ويرى مصرفيون في لندن، أن السوق المالي العالمي يمر حالياً بأزمة غير تقليدية وتحتاج إلى معالجات غير تقليدية، حيث يضع فيروس "كوفيد 19" وتداعياته، التي أدت حتى الآن إلى إغلاق النشاط التجاري والاقتصادي في أميركا وأوروبا ومعظم الاقتصادات الكبرى، النظام المالي العالمي تحت اختبار حقيقي وربما يحدث انهيار تام إن لم تستخدم كل الأدوات المتوفرة لإنقاذه.

وبعد ساعات من افتتاح سوق "وول ستريت" على انخفاض في تعاملات يوم الاثنين، قرر مصرف الاحتياط الأميركي وفي خطوة استثنائية وغير مسبوقة، فتح ميزانيته بلا حدود لضخ تريليونات في السوق الأميركي، حيث أعلن في بيان الاثنين، أنه سيقوم بشراء سندات الشركات الأميركية في السوقين الأولي والثانوي وشراء السندات المدعومة بالقروض العقارية حتى يضمن حماية سوق السندات الأميركية من الانهيار، وهو ما يعني أن المركزي الأميركي ينفذ حالياً عمليات شراء مفتوحة لمعظم أدوات الدين الأميركي الحكومية وغير الحكومية، أي تلك المصدرة من قبل الشركات لتلافي حدوث أزمة مالية.

وقالت لجنة السوق المفتوحة بالبنك المركزي في بيانها يوم الاثنين، "إن مجلس الاحتياط الفيدرالي ملتزم باستخدام كل الآليات المالية المتاحة لديه لدعم المواطن والشركات والاقتصاد في أميركا".

ويقول مصرفيون أميركيون، إن خطوة شراء السندات المدعومة بالقروض العقارية من الوكالات، جاءت بعد تحذير ملياردير العقارات الأميركي، توم باراك، وملياردير آخر صديق للرئيس دونالد ترامب، قالا فيها، "إن سوق القروض العقارية يقف على حافة الانهيار، وأن أية تأخير في التدخل المباشر من قبل مصرف الاحتياط الفيدرالي سيعني حدوث إفلاسات وتداعيات خطيرة في سوق المال".

ومعروف أن أزمة القروض العقارية، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في منتصف عام 2007 وأشعلت شرارة أزمة المال العالمية في عام 2008.
ولدى مصرف الاحتياط الفيدرالي تفويض دستوري من الكونغرس لاتخاذ السياسات النقدية المناسبة لغايات ضمان تحقيق أقصى معدلات توظيف ممكنة واستقرار أسعار السلع والخدمات ضمن نطاق محدد من التضخم وضمان استقرار النظام المالي في أميركا.

وجاءت خطوة البنك المركزي الأميركي التي قررت ضخ الدولارات بلا حدود في السوق الأميركي، في أعقاب عرقلة الكونغرس يوم الاثنين، لخطة تحفيز الاقتصاد الأميركي بتريليوني دولار.

وقال السيناتور الجمهوري، نيل كاشكري في لقاء مع قناة " سي أن بي سي"، يوم الاثنين، "سنضخ أموالاً بلا حدود في السوق وبسرعة لأن آلاف الأشخاص يفقدون وظائفهم كل يوم".

وبناء على بيانه، يعكف البنك المركزي الأميركي حالياً على شراء كل أنواع الدين الحكومي والخاص وحتى ديون الطلاب، كما فتح آليات جديدة لمنح قروض مباشرة للعائلات والأعمال التجارية. وفي ذات الوقت تعكف لجنة السوق المفتوحة بالفيدرالي الأميركي على شراء سندات الخزانة الأميركية وسندات القروض العقارية للشركات.

ويرى الاقتصادي الأميركي والزميل بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، براد دبليو سيتسير، أن مصرف الاحتياط الفيدرالي يستهدف ضمان استقرار السوق المالي الأميركي والعالمي عبر ثلاث خطوات رئيسية هي:

أولاً : دعم السوق المالي الأميركي والسماح للمصارف التجارية بالاستمرار في أداء وظائف الإقراض عبر التمويلات قصيرة الأجل لليلة أو أسبوع أو 14 يوماً، حتى تتمكن من الاستمرار في أداء وظائفها بشكل طبيعي.

ولتنفيذ هذا الغرض، وضمان عدم حدوث نقص في السيولة، قرر البنك ضخ ترليون دولار في السوق يومياً، عبر عمليات "ريبو"، أي تقديم قروض قصيرة الأجل للبنوك كل ليلة، بهذا الحجم الضخم ،حتى يضمن عدم نقص في السيولة ويشجعها على المتاجرة في سوق "وول ستريت" والاستمرار في عمليات الإقراض وشراء أدوات المال الأميركية.

ولدى المصارف الأميركية قاعدة مالية تقدر بنحو 1.3 تريليون دولار يمكن أن تستخدمها كذلك للاقتراض، ولكنها ربما لا تستخدمها في مثل هذه الظروف المضطربة، لإقراض الشركات والأفراد خوفاً من نقص السيولة لديها. وحسب مصرفيين، تعد عملية استمرارية عمل البنوك والسوق المالية مهمة لضمان عدم انهيار النظام المالي.

أما الخطوة الثانية، فهي ضمان توفر السيولة بسوق سندات الخزينة الأميركية التي يعتمد عليها تمويل الإنفاق الحكومي. ومعروف أن الولايات المتحدة تعتمد على بيع السندات الحكومية عبر مزادات مفتوحة للحصول على التمويل، وتبلغ ديونها حالياً أكثر من 22 تريليون دولار.

كما تستخدم السندات الأميركية، كذلك كرهن في معظم الصفقات المالية والتجارية، وبالتالي فإنها تمثل الركن المهم في النظام المالي العالمي.

ولضمان استقرار سوق السندات، كان مجلس الاحتياط الفيدرالي، يضخ عبر آلية لجنة السوق المفتوحة أكثر من 100 مليار دولار يومياً في سوقها حتى يوم الجمعة، كما خصص 500 مليار دولارلشرائها. لكنه في بيانه يوم الاثنين، عاد ليقول " إنه سيشترى أي كمية من سندات الخزانة الأميركية".

ويتخوف المركزي الأميركي حالياً من تراجع جاذبية السندات الحكومية عالمياً بسبب نقص السيولة الدولارية لدى المشترين الأجانب. وتراجع العائد على سندات الخزينة الأميركية أجل 10 سنوات إلى 0.82% يوم الاثنين وأجل 30 عاماً إلى 1.34%.

يذكر أن البنك المركزي الأميركي قد خفض نسبة الفائدة على الدولار بين صفر و0.25% في بداية الشهر الجاري.

أما الخطوة الثالثة، فهي، أن الاحتياط الفيدرالي يعكف منذ الأسبوع الماضي، على ضمان سوق الائتمان العالمي، خاصة في الاقتصادات الكبرى أو أكبر شركاء التجارة للولايات المتحدة عبر ضخ آلاف المليارات من الدولارات في بنوكها المركزية.

وحسب الاقتصادي الأميركي، دبليو سيتسير، فإن الاحتياط الفيدرالي يضخ حالياً هذه الدولارات في البنوك المركزية في كل من بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وسويسرا، ويتم ضخ هذه الدولارات عبر ما يطلق عليه في السوق المصرفي "عمليات الصفقات التبادلية"، وهو عبارة عن عمليات إقراض طارئة وقصيرة الأجل وبهامش فائدة ضئيل. ويمنح الاحتياط الفيدرالي الأميركي هذه البنوك المركزية دولارات مقابل استلامه مكافئاً من عملاتها المحلية. وتتم عادة عبر "خطوط الائتمان المفتوحة" بينه وبينها.

وتستهدف هذه العملية، ضمان حصول البنوك المركزية في هذه الدول المذكورة على الدولارات الكافية التي تحتاجها مصارفها حتى لا يحدث جمود في سوق الائتمان العالمي، أي تتوقف البنوك التجارية عن إقراض بعضها بعضاً، مثلما حدث في أزمة المال العالمية في 2008.