أميركا التي أرادها ساندرز

22 ابريل 2020
الصورة
على عكس مبدأ "أكبر من أن يفشل"، الذي تتبنّاه الحكومات الأميركية في تعاملها مع المؤسسات المالية الكبيرة، وتعمل وفقه لمنعها من الانهيار، مهما كانت الأسباب، كانت الأحلام التي شَهَرها المرشح للانتخابات الرئاسية، المنسحب، بيرني ساندرز، من الكبر بحيث كان مقدّراً لها أن تدفعه إلى الفشل في مسعاه إلى الفوز والوصول إلى الرئاسة، فالمؤسسة الحاكمة لا تسمح بأن يصل إلى الحكم مرشحٌ يرفع شعار الاشتراكية، ومصمّم على مواجهتها في خياراتها الليبرالية التي أهلكت الشعب، غير أن ساندرز، وخلال حملته، أسّس حركةً تهدف إلى ما أراده في انتزاع أميركا من الأغنياء والنافذين لإعادتها إلى أبناء الشعب الأميركي.
على الرغم من فشلها في جزئية إيصاله إلى البيت الأبيض، إلا أن حملة ساندرز نجحت ربما في ما يمكن أن يعد فارقاً في الحياة السياسية الأميركية، فما طرحه وسار بحملته لتحقيقه، كان غير مطروق في الحملات الانتخابية التي سبقت، أو حتى في الحياة السياسة الأميركية. وهو بذلك حرَّك مياهاً راكدةً من أزمنةٍ طويلةٍ، وفتح أبواباً للنقاش حول مسائل وحقوقٍ، سلَّم الشعب الأميركي أنها لن تتحقق له في ظل الإدارات التي تعد راعية الليبرالية المتوحّشة التي يصعب عليها التفريط بأي تقديماتٍ من قبيل تلك التي طالب بها ساندرز الشعب.
ومن ينظر إلى طروحات ساندرز، لا يتخيّل أن من يرفعها يعيش في بلدٍ يعد رمزاً للرأسمالية، ويريد أن تتحقق لشعب هذه البلاد. فعلى سبيل المثال، يعد التعليم الجامعي المجاني الذي وضعه ضمن برنامجه الانتخابي لتحقيقه، بعد الوصول إلى الحكم، من المحظورات، وفق نظام السوق 
الحر الذي يعد التعليم تجارةً لا خدمة يجب أن ترعاها الدولة. إضافة إلى ذلك، تضمَّن برنامجه إقرار نظام الرعاية الصحية الشاملة الذي تموله الدولة، وتوفر تكاليفه من خلال الضرائب، وهذا ما تسعى دائماً شركات التأمين الصحي وشركات صناعة الأدوية إلى منعه. وظهرت النزعة الاشتراكية التي لدى ساندرز الذي يشار إليه بالمرشح اليساري مرة، ومرة بالمرشح الاشتراكي، في بند التعامل مع الثروة ومعالجة موضوع عدم المساواة في الدخل وإصلاح "وول ستريت".
تحمّس الناس من مختلف الاتجاهات لخطاب ساندرز، ولم يقتصر مناصروه على الحزب الديمقراطي، بل لاقى صوته صدىً لدى أعضاء من الحزب الجمهوري، إضافة إلى غير الحزبيين. كما انجذب أبناء الطبقتين، العاملة والوسطى، والمهاجرون والمحاربون القدماء لطرحه، من دون أن يُنسى أنصار البيئة الذين وجدوا ضالتهم في اقتراحه حول ما تعرف بـ"الصفقة الجديدة الخضراء". ورأى ساندرز أن اعتماد هذه الصفقة يجب أن يقترن بضمان فرص العمل، على عكس من سبقوه، والذين رأوا أن العمل وفقها سيؤدّي إلى خسارة الناس وظائفهم، إذ إن كثيرون تناسوا أن هذه الصفقة، أو هذا المبدأ، هدفه ليس معالجة مسألة التغير المناخي، عبر إيجاد مصادر طاقة بديلة فحسب، بل هدفه، وإضافة إلى ضرورته، كونه الطريقة الوحيدة لتجنب الكوارث البيئية، إلى معالجة عدم التكافؤ الاقتصادي عبر تطبيق إصلاحاتٍ اقتصادية واجتماعية.
وفي هذا السياق، يريد ساندرز، عبر هذه الصفقة، تغيير موازين القوى على الأرض، عبر زيادة قوة الطبقتين، العاملة والمتوسطة، وزيادة نفوذهما في الحياة السياسية والاقتصادية، وإعطاء صوت للمهمشين والمفقَرين. لأن هذه الطريقة هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق القدرة على مواجهة قوة الأقلية المتحكّمة بالبلاد، والمتمثلة في مجمع الصناعات العسكرية والاحتكارات النفطية، وغيرهم من الذين يشرِّعون القوانين في البلاد على مقاساتهم، ويشعلون الحروب في الخارج، لتحقيق الازدهار لصناعاتهم العسكرية والسيطرة على مصادر الطاقة. وللانطلاق نحو تحقيق الواقع الجديد المناقض للواقع الحالي، تبرز حقيقة وجوب إنهاء ما يسمّيه "الإنتاج الرأسمالي الوسخ" الذي تتكفل "الصفقة الجديدة الخضراء" بتحقيقه.
ولمعرفة الفرق بين بيرني ساندرز الذي يمتلئ برغبة التغيير وتحسين أوضاع الفقراء عبر 
الإصلاحات الجذرية في بنية النظام السياسي الأميركي وغيره من المرشحين، ما علينا سوى مقارنة خطابه بخطاب مرشَّحٍ آخر. في أحد اللقاءات الجماهيرية، قال المرشح السابق عن الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية سنة 2012، ميت رومني: تتمثل الطريقة الفضلى للقضاء على الفقر، في أن "يستدين الشبان الفقراء الأموال من أهلهم لكي يؤسّسوا عملهم الخاص". وكأن هذا السناتور لا يعرف الرابط بين فقر الشبان وفقر أهلهم.
وتماماً مثلما بدا الفرق في طروحات ساندرز الخاصة بالسياسة الداخلية، كانت طروحاته وخطاباته الخاصة بالسياسة الخارجية قريبة منها ومتساوقة معها، إذ يتبنّى مبدأ حل الدولتين لتسوية القضية الفلسطينية ويعارض الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، كما أنه ينادي بحل مشكلات قطاع غزة. ويواظب ساندرز على انتقاد سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وينتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، ويقاطع مؤتمر جمعيات الضغط اليهودي السنوي، أيباك، فلم يشارك به مرةً، فاستحق انتقادات اللوبي الصهيوني في أميركا وانتقادات الحكومة الإسرائيلية وصحافتها. كما برز موقفه المعارض للحرب على اليمن ولدور السعودية فيها ودعم واشنطن هذا الدور. ونادى بحل الخلافات بين السعودية وإيران، عبر جلب واشنطن الطرفين إلى طاولة المفاوضات. وأيضاً طالب أميركا، بما تملكه من قوة، بأن تعمل على حل الصراعات في العالم.
على الرغم من عدم تمكّن ساندرز من المضي في السباق الانتخابي، إلا أنه مهد لحركة تضم الملايين الذين نشَّطهم، بعد أن هُمِّشوا وهَمَّشوا أنفسهم وابتعدوا عن الخوض في السياسة والمشاركة في الانتخابات والتحرّكات المطلبية. وعلى الرغم أيضاً من أن انسحابه قلل من فرص تحقيق أحلامه التي أصبحت أحلام الملايين الذين ساروا معه في حملته، إلا أنها أظهرت لهم أميركا أخرى، غير التي يكرسها الرئيس الحالي، وتقتصر خدماتها على الأثرياء.
تعليق: