أميركا إجابة سريعة لكل فشل داخلي!

24 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 03:04 (توقيت القدس)

كيري في القاهرة: إعلان استئناف تزويد مصر بالأباتشي(فرانس برس)

+ الخط -

في كل الأزمات السياسية التي تعصف بالمجتمع العربي، والمصري تحديداً، نجد أصابع الاتهام تتجه نحو الإدارة الأميركية، باعتبارها السبب والنتيجة لكل فشل، ولم يتم طرح السؤال الصحيح يوماً عما إذا كان ممكناً لأي إدارة أميركية، أياً كان توجهها، جمهورية أم ديمقراطية، أن تُنفذ ما تريد، من دون مساعدة من نخبة داخلية، مدنية أم عسكرية؟
بعد التدخل العسكري في العملية السياسية الذي حدث في مصر، في الثالث من يوليو/تموز الماضي، وجّه النظام كل اللوم على الولايات المتحدة الأميركية، في مساندتها جماعة الإخوان المسلمين، بسبب عدم اعترافها بالنظام، وتبنيها موقفاً رمادياً، ورفضها الاعتراف بما جرى، باعتباره ثورة شعبية. على الجانب الآخر، وفي الوقت نفسه، ألقت جماعة الإخوان المسلمين اللوم على الإدارة الأميركية، باعتبارها لم تعلن، صراحةً، أن ما حدث في مصر انقلاب عسكري، أطاح الشرعية القادمة عبر الصناديق. إذن، الإدارة الأميركية متهمة من طرفي الصراع.
الواضح أن الإدارة الأميركية أرادت أن تمسك العصا من المنتصف، برفع شعاراتٍ حول قيم الديموقراطية والانتقال السلمي للسلطة، والحفاظ على علاقتها الوطيدة بقيادات المؤسسة العسكرية في مصر. وبالتالي، اتجهت إلى إعطاء فرصة للنظام السياسي في مصر، بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، لكي يُنجز الانتخابات بأي طريقة، نزيهة أم غير نزيهة، حتى تتمكن من استئناف التعاون معه. فهي لا يهمها كثيراً أن النظام الذي يحكم مصر ديموقراطي أم غير ديموقراطي، النقطة الفاصلة قدرته على الوفاء بثلاثة التزامات، أولاً: أمن سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وضمان استمرار التضييق على حركة حماس في غزة. ثانياً: استمرار فتح قناة السويس أمام الملاحة البحرية التجارية والعسكرية بشكل أساسي، ثالثاً: استمرار التنسيق الأمني والاستخباراتي مع المؤسسات الأمنية في مصر.


وبالتالي، فأي قيادة سياسية في مصر يمكنها أن تضمن استمرارية هذه الالتزامات ستتعاطى معها الإدارة الأميركية، وهذا ما حاولت جماعة الاخوان المسلمين تأكيده لواشنطن بأنها لن تقوم بتغيير أيٍّ من هذه الالتزامات، إلا أن النظام السياسي الحالي، بقيادة الجنرال السيسي هو الأقدر على تحقيق هذه التعهدات، لأنه امتداد لنظام حسني مبارك الذي استثمرت فيه الإدارات الأميركية، خلال ثلاثة عقود، من خلال حزمة من المعونات الاقتصادية والعسكرية. وبالتالي ليس غريباً أن يعلن وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، في زيارته القاهرة أن الإدارة الأميركية ستستأنف إرسال المعونات وطائرات أباتشي، وأن يتحدث عن قضايا، مثل التحول الديموقراطي وحقوق الإنسان بشكل هامشي.
في الحقيقة، التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان قضايا تستخدمها الإدارات الأميركية بشكل توظيفي لخدمة مصالحها في المنطقة، وليس لديها إيمان حقيقي بها في سياستها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط، ولا يمكن أن يُنظر إلى هذا الأمر باستغراب أو استهجان. بل من الخطأ مطالبة الادارة الأميركية بأن تتدخل في هذه المسألة، بل، على العكس، يحسن مطالبتها بعدم التدخل كلياً في الشأن الداخلي في مصر، وبوقف المعونات الاقتصادية والعسكرية لمصر، لأن الواضح أنها معونات لم تحقق، كما تدّعي واشنطن، أي تنمية حقيقية في مصر، وعلى العكس، أدت إلى خلق نخب طُفيلية مرتبطة بسياسة الإدارات الأميركية في مصر وفي المنطقة، فالمنح الأميركية لمؤسسات المجتمع المدني لم تخلق مؤسسات للمجتمع المدني قوية، مرتبطة بالمجتمع المحلي المصري، ويظهر هذا جلياً في أداء هذه المؤسسات التي تعمل، بشكل منفصل، عن احتياجات المجتمع المحلي الحقيقية.
إذن، الإدارة الأميركية، تعمل، في النهاية، لتحقيق مصالحها في مصر، وفي المنطقة العربية، وهذا يعد واضحاً للغاية، باعتبارها دولة قومية لديها مصالح وتعمل على تعزيزها، المشكلة الحقيقية تكمن في وجود نخبة سياسية واقتصادية وعسكرية داخلية، هي من تسمح لهذه الإدارة بتحقيق ما تريد، وكيفما تريد في المنطقة. هذه النخب هي العائق الحقيقي أمام التطور والتنمية في المجتمع، وبالتالي، التركيز على تغيير هذه النخب هو الحل، بدلاً من صب اللوم على طرف خارجي، لا يمكنه تغيير معادلة الداخل، ولو ادعى غير ذلك. وهذا لا ينفي أن الإدارة الأميركية بتدخلها العسكري في العراق غير مسؤولة عّما حدث للعراق اليوم من تقسيم طائفي، إلا أن هذا التدخل لم يكن ليحدث، لولا مساندة الأنظمة العربية له، سواء بالدعم العسكري أو المالي، أو حتى بالصمت وغض الطرف.

EB663898-3457-459C-B1E2-A40FE222DCB7
نجوان الأشول

كاتبة مصرية، رئيسة المركز العربي لتحويل النزاعات والتحول الديمقراطي، باحثة دكتوراه في الحركات الاجتماعة والإسلامية بالجامعة الأوروبية، عملت باحث دكتوراه في المعهد الألماني للدراسات الدولية. تنشر مقالات بالعربية والانجليزية.