أمونيوم حيفا ونترات حمص وبيروت

11 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

كان السؤال الأول الذي دهم عقول من شاهدوا الانفجار المروّع في ميناء بيروت، قبل أن تنجلي الصورة عن دمار هائل وخسائر بشرية فادحة: من الفاعل ومن المستفيد، إن لم تكن إسرائيل المتوعدة، علناً، بتدمير البنى التحتية للبنان وإعادته إلى العصر الحجري إن رُميت بالنار؟ ثم ما الذي استهدفه هذا الفعل المشابه لانفجار نووي، إن لم يكن مخزن أسلحة ومعدّات صاروخية أخفاها حزب الله عن العيون الإلكترونية المترصدة، من الجو والبر والبحر، بكل موقع يخص الحزب المتحفز للانتقام من مقتل عضو له سقط في غارةٍ على دمشق؟
وكان من العجيب الغريب ايضاً أن ماكينة الحزب الذي ينسب أي اعتداء، بصورة تلقائية، للعدو التاريخي اللئيم، شرعت على الفور في تجهيل الفاعل، وراحت تستجمع شتى الأقاويل النافية مقارفة إسرائيل، ما غيرها، هذا الانفجار الرهيب، زاعمةً أنه ناجم عن حادث عرضي وقع في مستودع لمفرقعاتٍ نارية، ولمّا تبيّن أن من السذاجة استمرار التمسّك بمثل هذه الرواية السخيفة، تم اختراع قصةٍ بديلةٍ، ظلت رائجةً، وهي أن هذا الانفجار تسبب به إهمال إداري.
والحق أن الصدمة كانت أكبر من كل ما سبقها من لغو حول الانفجار، حين أطل السيد حسن نصر الله على الرأي العام، بعد أربعة أيام من المصيبة التي حلت بالعاصمة اللبنانية، لينفي نفياً تاماً أي صلةٍ لحزبه، القابض على مفاتيح المطار والمعابر البرّية والبحرية، بميناء بيروت، الذي تحدث نتنياهو عن مخزن سلاحٍ فيه قبل عام، خصوصاً العنبر رقم 12، وهو نفيٌ يعرف القاصي والداني أنه غير صحيح، وأن الطير الطائر لا يمر من الميناء إلا بإذن مسبق من صاحب الأمر والنهي في البلد المخطوف من الحرس الثوري.
الأشد هولاً من هذا النفي المستخف بعقول الناس أن نصر الله تجاهل في كلمته تلك أي إشارة إلى احتمال أن تكون إسرائيل واقفةً خلف هذا الانفجار الفاصل بين زمنين لبنانيين، حيث قلّل من استخدام إصبعه، وأكثر من توظيف براعته الخطابية، لتبرئة العدو من ارتكاب هذه الجريمة النكراء، مضيفاً أنه يعرف ميناء حيفا أكثر مما يعرف عن ميناء بيروت، معيدا إلى الذاكرة تهديده قبل أربعة أعوام بقصف خزّانات الأمونيوم في خليج حيفا، وقتل عشرات الألوف.
بحسب التقارير الصحافية، أخلت إسرائيل تلك الخزانات قبل ثلاثة أعوام، إلا أن خليج حيفا لا يزال زاخراً بمصانع الكيميائيات. وفي التقارير أيضاً أن 2750 طناً من نترات الأمونيوم التي وصلت، بتحايلٍ مسكوت عنه، إلى ميناء بيروت، كانت على مدى ست سنوات تحت تصرّف الدويلة التي ابتلعت الدولة، تأخذ منها ما يلبي احتياجاتها لصناعة المتفجّرات، إلى حد لم يتبق في الميناء اللبناني، لحسن الحظ، سوى 300 طن، وإلا لكان الانفجار قد مسح بيروت وضواحيها عن وجه الأرض.
ووفق أنباءٍ تتطلب لجنة تحقيق للتثبت من صحتها، أمدّ الحزب الذي ادّعى أن الطريق إلى القدس تمر من حمص حليفه في دمشق بما كان يلزمه من مادةٍ مناسبةٍ لصناعة البراميل المتفجرة التي كانت تنهال على البشر والحجر في البر السوري بلا حساب، سيما وأن مشاهد بعض تلك الانفجارات تبدو اليوم عيناتٍ صغيرة لانفجار بيروت الكبير. وبالتالي، فإن ما جرى للسوريين بالمفرّق جرى للبنانيين بالجملة، وكله بفعل فاعل واحد اسمه حزب الله.
ولعل رفض حزب الله تشكيل لجنة تحقيق دولية، بذريعة الحرص على السيادة اللبنانية، والهجوم المتصاعد على المطالبين بمثل هذه اللجنة، ينبع من الخوف على انكشاف هذا السر، المقدّر له أن يفتح أوراقاً أخرى مطوية، قد تكون أشد خطورة، إذا تولى اختصاصيون من الأمم المتحدة جمع الحقائق المتصلة بوصول الباخرة وكيفية الاستيلاء على حمولتها، ومضى الخبراء في تتبع دهاليز استخدام منجمها المميت، وهو أمرٌ لا يحول دونه سوى التلويح بحربٍ أهلية.
وربما لهذا السبب الذي بات يشي بنفسه عن نفسه، ظهر زعيم حزب الله، في إطلالته أخيرا، هادئاً على غير عادته، قلقاً من مغبّة افتضاح الطابق كله، متجاهلاً فرضية اليد الإسرائيلية التي كتبت صحيفتا معاريف وهآرتس، في البداية، أن الانفجار من صنع "الموساد"، ثم تراجعتا عن ذلك تحت ضغط الرقابة العسكرية.