أمهات عازبات في المغرب

09 مايو 2018
الصورة
العذاب الأكبر بعد وضع الطفل (عبد الحق سنّا/فرانس برس)
+ الخط -

الأمهات اللواتي يربين أطفالهن من دون زواج في المغرب يمثلن مشكلة حقيقية تتصدى لها بعض الجمعيات القليلة. لكنّ هذا الجهد على أهميته غير قادر على تخفيف آلام الجميع
كثيرة هي قصص الأمهات بلا أزواج ممن يُطلق عليهن في المغرب تسمية "أمهات عازبات" في إشارة إلى فتيات ونساء غرر بهن، أو تعرضن للاغتصاب، أو صدقن وعود الزواج، فوجدن أنفسهن حوامل، ليتحولن بعدها إلى أمهات عازبات رغماً عنهن.

تعاني هذه الفئة من النساء في المجتمع المغربي معاناة مضاعفة على أكثر من صعيد، فالشعور النفسي المحتقن بالذنب لا يكاد يغادرهن منذ تحرك الجنين في أحشائهن، والآلام الاجتماعية تتضخم في أعينهن بعدما وجدن أنفسهن بين عشية وضحاها وحيدات بلا سند ولا ظهر، علاوة على نظرة المجتمع والجيران القاتلة إليهن، وقلة ذات اليد، مما يزيد من معاناتهن.

رابحة، سيدة أربعينية، تروي لـ"العربي الجديد" عن مسار حياتها كامرأة عازبة قاست معاناة نفسية واجتماعية لا توصف، فقد بدأت قصتها الحزينة بتواجدها في منزل رجل خمسيني مريض بمرض مزمن تقدم له العون والخدمة مقابل أجر شهري هزيل، لكنّها قبلت به لإعالة نفسها وعدم مد يدها للغير، خصوصاً أنّها يتيمة الوالدين. تقول رابحة إنّها مارست عملها بكلّ تفانٍ ومواظبة ما جعل المريض يتمسك بوجودها إلى جانبه بدعوى أنّ أبناءه كبروا وغادروا البلاد ولم يعد أحد يهتم بشأنه، فاقترح عليها المبيت في منزله من دون الاضطرار إلى استئجار بيت، وبالتالي توفير المصاريف، فتم ذلك إلى أن توطدت العلاقة بينهما، ووعدها بأنّه سوف ينتشلها من شقائها ويتزوج بها عندما تتحسن حالته الصحية.



نشأ عن هذه العلاقة بين رابحة ومريضها حمل، قبل أن يفاجئها القدر بعد ذلك بأشهر بوفاة الرجل المريض، فانقلبت وعود الزواج والأحلام الوردية بالاستناد إلى ظهر رجل، وفق تعبيرها، إلى كوابيس، فحاولت إجهاض جنينها لكنّها رأفت به ولم تستطع، فقررت مواصلة المشوار.

شقاء هذه "الأم العازبة" بدأ بولادة صغيرها الذي اختارت له من الأسماء سعيد، إذ انطلقت رحلة الأوجاع الحقيقية التي فاقت أوجاع مخاضها وحيدة منفردة في بيتها بمساعدة جارتها، إذ عجزت عن تسجيل ابنها في وثائق "الحالة المدنية" (توثيق الأسرة)، كما باتت تتهرب من أسئلة الجيران إلى أن قررت الرحيل بعيداً إلى مدينة أخرى. لم يفارق الأمل صدر رابحة التي قالت إنّ اسمها واسم ولدها يناقضان المعنى فيهما، فهي خسرت الشيء الكثير بسبب وضعيتها الجديدة، وابنها ولد في كنف شقي غير سعيد. تتابع أنّها حاولت إيجاد عمل لها تطعم به رضيعها، غير أنّ نظرات وفضول الأسر التي تذهب إليهم للعمل كعاملة منزلية لم ترحمها.

تنهي قصتها أن لا أحد يقدم الدعم إلى السيدات في مثل وضعيتها، فهي واقعة بين خيارين؛ إمّا شتائم تمس كرامتها، يرميها أشخاص يعزون حالتها إلى تفريطها في شرفها كما يقولون، ما يدلّ على أنّ المجتمع غير متسامح مع الأمهات العازبات، وإما نظرة شفقة وعطف من آخرين. كلا الخيارين تتجرع رابحة مرارته.

مونية، في الثانية والعشرين من عمرها، تحكي قصتها لـ"العربي الجديد" وهي تبكي، وتقسم أنّ ما وقع لها ليس ثمرة حب آثم أو علاقة غرامية أو طيش شباب، بل اعتداء جنسي تعرضت له من طرف أحد أفراد أسرتها في إحدى قرى الجنوب المغربي، ما أسفر عن حمل، لتطردها عائلتها بشكل قاس ومؤلم بعده. تتابع مونية أنّه بدلاً من وقوف عائلتها في صفها، ومعاقبة ابن عمتها الذي أقدم على اغتصابها قبل أن ينفي ذلك، لم تترد في رميها إلى الشارع بدعوى أنّ الأسرة لم يسبق أن شهدت "عاراً" أخلاقياً، مضيفة أنّ الأرض ضاقت بها، فلم تجد بداً من السفر عبر حافلة عمومية إلى الدار البيضاء. تقول: "في هذه المدينة وجدت نفسي تائهة وأنا أحمل في بطني جنيني إلى أن اهتديت إلى مكان وضعت فيه حملي بمساعدة إحدى النساء، لتنطلق رحلة البحث عن لقمة عيش أسد بها رمقي ورمق طفلتي، فلم أجد غير خيبات الأمل المتمثلة في أشخاص أرادوا نهش جسدي". تضيف أنّها التقت يوماً ناشطة جمعوية لاحظت وقوفها قرب أحد المساجد تطلب الصدقة وعلى ظهرها طفلتها المولودة، فاقتربت منها لتعرف قصتها قبل أن تدلها على جمعية "ماما عائشة". تضيف أنّها بمجرد دخولها إلى الجمعية تغيرت حالتها وتقلص حزنها وقلقها، فقد احتضنتها الجمعية وبات لها عمل تعيل به نفسها ومولودتها من خلال الخياطة والتطريز اللذين تتقنهما.



الجمعية التي آوت مونية هي جمعية التضامن النسوي التي تترأسها الناشطة المعروفة عائشة الشنا، وينادونها "ماما عائشة" كونها نذرت وقتها وجهدها وطاقتها لإيواء ورعاية الأمهات العازبات وأطفالهن من خلال مقر الجمعية وأنشطتها الخدمية. تقول الشنا لـ"العربي الجديد" إنّ "حالة الأمهات العازبات في المجتمع المغربي لا يمكن أن تنتهي نهائياً، وإن كان متاحاً التقليص من حدتها وانتشارها، بالنظر إلى استمرار الأسباب نفسها التي تؤدي إليها، من قبيل وعود الزواج الكاذبة وحالات الاغتصاب".

تتابع الشنا أنّ الأم العازبة تعيش جحيماً اجتماعياً ونفسياً لا يطاق، وفي كثير من الأحيان تكون مظلومة ولا يد لها في حملها، وبدلاً من تكاتف الأسرة والمجتمع على إنقاذها يعمدان معاً إلى إغراقها في بحر من المشاكل والعقد النفسية، لتجد كثيرات أنفسهن مشردات أو متسولات أو منتحرات. تشير إلى أنّ من الصعب على جمعية أو اثنتين استيعاب هذا الكم الهائل من الأمهات العازبات "خصوصاً فى الأوقات الحرجة التي تتطلب استقبال فتاة حامل طردها أهلها خارج المنزل في ظل وضع صحي صعب". تخلص إلى أنّ "العمل الخيري مسؤولية الجميع، فلا يمكن لمنظمة أو جمعية حلّ جميع المشاكل ما لم تتعاضد الأيدي ويتشارك الجميع المسؤولية".