أمهات صغيرات

25 مارس 2020
+ الخط -
كل فتاة بأبيها معجبة، ولكنها بأمها متأثرة.. فإن كانت تميل إلى أبيها، تراها تتعكز على دستور أمها في تفاصيل حياتها.. حين تبتعد وتبدأ من جديد، حتى وإن كانت بدايتها من الحي المجاور أو من قارة أخرى لن يختلف الأمر كثيرا..

في بادئ الأمر تفرح بالاستقرار وتتنعّم بالاستقلالية وأنها وحدها صارت سيدة هذا البيت الصغير، ترتب مسؤولياتها وترسم صورة جديدة للحياة وتصر على رؤية الأمور من زاوية أخرى غير التي كانت تنظر منها والدتها..

ستفاجأ بأنها هي ذاتها الفتاة الناقدة لتصرفات أمها، أصبحت تكررها بعينها، حتى الأفعال التي لم تكن تنتبه إليها يوما، ستلاحظ أنها تقوم بها بالطريقة نفسها، وكأنها كانت أشبه بآلة تسجيل تحفظ وتسجل كل شيء، إلى أن خرجت منها نسخة شبيهة جدا بها، وكل تلك الوعود التي قطعتها لنفسها بأنها لن تشبهها ولن تكون قاسية مثلها أحيانا، ذهبت مع الريح التي باعدتها عنها..

أنت هي وابنتك ستكون أنت يوما ما.. لذلك صدقيني ستقلدينها في كل شيء، وتختارين بعض مصطلحاتها لحياتك اليومية وربما تستعيرين معجمها ليعطيكِ نسمة من وجودها في حياتك..


كما أنك ستعدين الطعام بطريقتها مع التخفيف من الملح، لأنها كانت تؤنبك على كل رشة ملح زائدة، ولا أستبعد أنك في إحدى المرات سيدفعك الشوق إلى البحث عن يديها وكأنها من أعدته..

وحين ترزقين بطفلك الأول ستفتقدينها جدا، لأنه وحده سيجعلك تفهمين شعورها، خوفها، حبها، وقسوتها، وإن كنتِ بعيدة نصيبك من الحسرة أكبر، ستفتقدينها بين الوجوه الكثيرة التي رأيتها تتحلق حولك وحوله لحظة ولادته، وتتمنين لو كانت هي من أشرفت على استحمامه الأول، وكانت أول الناظرين إليه لتخبرك بكل حب كم يشبهك في صغرك..

لا بأس أنت قوية وستتجاوزين كل ذلك.. وتعتنين بطفلك جيدا لكن مع كل نظرة إليه ستصدقين كل المرات التي لم تقل لك فيها أحبك قبل المرات التي قالتها.. ووقتها فقط ستدركين بكم من الحب والتعب كبرت..

وستصرخين بصوتها على أبنائك إن نقصت درجاتهم في المدرسة، وتشدّين بيدها على شعر ابنتكِ التي تصرخ كما كنت تصرخين بين يديها وهي تضفر لك جديلتين من كحل الليل.. أنت ذاتك التي كنت تتذمرين عندما تأمرك وإخوتك بالنوم والكف عن الثرثرة والضحك ليلا، ستفعلينها مع أطفالك متناسية أو ربما مدركة أنها كانت محقة.. وتلك الرحلة المدرسية التي لم تسامحيها على تفويتها عليك، ستحرمين طفلتك منها وتعذرين خوفها في ذاك الوقت..

نسيت إخبارك سرا جميلا.. ستحبين طفلك الأول جدا وستميزينه عن إخوته، تماما كما كانت تفعل أحيانا! لأنه أتاك محملا بالعذر لها.. فالطفل الأول هو الذي منحها لقب الأم، وبه استشعرت معنى الأمومة، حملته في بطنها أشهرا فحملها من حياة إلى حياة أخرى عمرا، غير كل ما حولها! بعد كل ذلك جرعة دلال زائدة لا تضر، وسيغفرها الجميع حين يكبرون..

وعند الغروب ستجلسين على شرفة بيتك التي لا تطل على وجهها، وتحيكين المدن شارعا بشارع لتفصلين ثوب اللقاء، يقاطع شرودك رنين الهاتف واسمها "ست الحبايب"، كيف لك إخبارها بأنها معك في كل لحظة؟ وأنها تمنحك الأمان برغم المسافات..

تشتكين لها طلبات أطفالك فتهون عليك الأمر حين تسرد لك بعضا من شقاوة طفولتك التي ما فارقتها، تنتهي المكالمة بضحكات، تستودعك وتستودعينها ولا تدرين من منكما تخاف على الأخرى أكثر؟!..

فيأتيك نداء أطفالك للعب معهم، تأخذين ورقة من دفتر عمرك ترسمين لهم صوتها بالكلمات وحكايات ما قبل النوم، وتؤجلين رسم وجهها إلى طلوع شمس الغد لأنك تريدينها معكِ شمسا لا تغيب.

كل عام وكل أم بألف خير
كل عام وأمي كل الخير