أمهاتنا النبيلات

11 يوليو 2020
الصورة

(لؤي كيالي)

في بدايات الثورة السورية عام 2011، كان سن بنتي أقل من 23 عاما. شابّة متحمسة للثورات، كما كثيرين من أبناء جيلها الذين ألهمهم الحدثان، التونسي والمصري، ذلك الوقت. في إحدى المظاهرات الأولى، اعتقلت مع مجموعة من أصدقائها. قضى بعضهم، مثلها، أياما قليلة جدا في الاعتقال، بحيث يبدو مخجلا ذِكر أن ابنتي كانت معتقلة أمام الأهوال التي حدثت للمعتقلين في ما بعد، فكان هذا فاتحة أكثر ملفات الثورة السورية ألما وقهرا وعنفا. عند سماع خبر اعتقال ابنتي، حظيتُ بتضامنٍ كبير من الأصدقاء والمعارف من كل العالم. كان الحماس للثورة السورية واسعا، فمن زار سورية وقع في غرامها، وكان شبه إجماع على أن شعبها يستحق نظاما ديمقراطيا لا أمنيا، إذ يلاحظ الجميع، منذ دخوله الأراضي السورية، السيطرة الأمنية الفجّة والمباشرة. دفعني ذلك كله إلى إعلان موقفي سريعا مع الثورة، في البيانات الموقعة والصحافة وعبر صفحتي على "فيسبوك". لم يكن الأمر يحتمل أي تردّد. نحن في لحظة تاريخية، ومن العار الوقوف ضدها! حجبت هذه الرؤية عني وقتها الانتباه إلى صمت عديدين من معارفي وأصدقائي تجاه الحدث، وصمتهم حتى عن السؤال عن ابنتي، بعد الإفراج عنها. لم أنتبه، وقتها، إلى أن ثمّة شيئاً آخر كان يحدث. لا أعرف لماذا افترضتُ أن جميع من أعرفهم سيقفون في الصف الذي أقف فيه. كنت مخطئة، لم يكن الأمر هكذا. كان للاصطفافات منطق آخر، هويّاتي ضيق، بعيد عن منطق التغيير السياسي لصالح الهوية الوطنية، والذي، لطبيعة الحياة، لم أكن قد انتبهت إليه سابقا.

جعلني منطق الاصطفافات ذاك عرضةً، مثل كثيرين، لتشويه سمعةٍ وإساءاتٍ وتهديداتٍ بالقتل. كانت تصل إلي، على شكل رسائل يحملها أشخاص، أو عبر الهاتف، وبالطبع عبر رسائل "فيسبوك"، ولم تتوقف تلك الإساءات وتشويه السمعة والشتائم والاتهامات من كل نوع. والمذهل أن أغلبها من معارف، بعضهم كان في خانة الأصدقاء. قاطعني غالبية أهل قريتي ومدينتي، أنا وابنتي. صرت بالنسبة لهم "المنبوذة". لم أزر مدينتي، حيث تقيم أمي، طوال العام الذي قضيته في سورية بعد الثورة. لم أر أمي عاما ونحن نعيش في البلد نفسه. كانت تخشى في حال سافرت لزيارتها أن يتعرّض لي أي أحمق بفعل عدواني. ولم يكن هذا مستغربا.

الأكثر إيلاما لي الضغط النفسي الذي كانت تتعرّض له والدتي، فمع كل تصريح أو رأي أو كلام منشور لي، كانت الاتصالات تنهال عليها باللوم والتقريع (لم تربّني تربية وطنية سليمة). الشتائم التي لم تكن تصل إلي، أنا أو ابنتي، كانوا يلقونها على مسامع والدتي التي رفضت، يوما، أن تتبرّأ مني ومن أختي وابنتي، على إحدى الشاشات (الوطنية) في بداية 2012، كما فعلوا مع عائلات كثيرين من معارضي النظام. تسلّحت أمي وقتها بقوةٍ نادرةٍ في مواجهة الضغط الذي جعلنا نطلب منها أن تفعلها، لكنها رفضت وبقوة شديدة. 

مع الوقت، ومع المتغيرات الكثيرة التي حصلت في سورية وثورتها، ثمّة ما اختلف في العلاقة مع بعضهم، ممن اعتبرني "خائنة متعاونة مع أعداء الوطن"، عاد بعضهم إلى التواصل معي، خصوصا مع ظهور جيل جديد في محيط قريتي وبلدتي، جيل الحرب والتشبيح، إن صحّت التسمية، فاقد أية قيمة، حتى في العداوات، حيث البذاءة والعنف والسلاح والتهديد والاستباحة اللغة الوحيدة التي يعرفها! وثمّة من "الصقور" التشبيحية القديمة من بقي على حاله، في علاقته مع كل ما يمتُّ للثورة بصلة. ما زال هؤلاء يعتقدون أن الكتابة عن أي شيء يخص سورية يصبّ في خانة أعداء الوطن، (من هم أعداء الوطن؟) وتشويه سمعة سورية، على اعتبار أنها، في السنوات العشر الماضية، كانت سمعة عطرة ومشرّفة. قبل أيام، كتبت منشورا على صفحتي الفيسبوكية عن كورونا ونظام سورية الصحي السيئ، وما قد يعانيه من بقوا في سورية بسبب ذلك. ثم تلقت أمي اتصالاتٍ عديدةٍ يشتمني أصحابها لإساءتي لسمعة سورية. وكعادتها، ألقت أمي على مسامعهم ما يجب أن يسمعوه.

فكّرت كثيرا بما تعرّضت له عائلات كثيرين من معارضي النظام، ووجدت أن الأشياء لا يمكن فصلها فعلا. من يقف مع نظام يرفض الديمقراطية والحقوق والحريات السياسية لا يمكنه أن يرى الآخرين بمعزل عن هويتهم القبلية (عائلية أو مذهبية). لا يمكنه أن يرى في البشر أفرادا مستقلّين، يتحمّل كلٌّ منهم، مفردا، مسؤولية آرائه وأفكاره. أظن أن هذه من أهم المشكلات السورية التي كرّست انقسام المجتمع وفرط عقده.