أمنيات إلكترونية طيبة

06 يناير 2017
الصورة
بطرس المعري/ سورية
+ الخط -

يقترح علينا محرّك البحث غوغل احتمالات كثيرة جداً فيما يخصّ كلمة "معايدة". من أول الصفحات نستطيع تسجيل العناوين التالية على سبيل المثال: "مسجات العيد" و"أقوى رسائل معايدة وتهاني عيد ميلاد" و"صور تهنئة وكروت معايدة وبطاقات رأس السنة" و"كروت تهنئة بطاقات معايدة لجميع المناسبات" و"بطاقات تهنئه للأم وصور لبر الأم وفضلها" و"صور كروت المولد النبوى الشريف" و"إرسال بطاقة معايدة إلى مريض" وغيرها... بطاقات برّاقة ملوّنة كاملة الأوصاف، مكتوب عليها جملة مفيدة تفي بالغرض.

ننتخب من هذه الصفحات البطاقة التي تروق لنا لنرسلها عبر هاتفنا الذكي إلى الأصحاب في العيد السعيد خلال ثوانٍ معدودة، ومنّا من لا يدخل إلى شبكة النت بل يحوّل البطاقة التي وصلته من صديق إلى صديق آخر. عملية بسيطة وتساهم أيضاً في الحفاظ على البيئة!

***

في مثل هذه الأيام من عام 1998، وجدنا في صندوق بريدنا، أنا وبعض الزملاء من نزلاء أحد مباني المدينة الجامعية العالمية في باريس، مغلّفاً وعليه طابع بريدي ممهور بختم مصلحة البريد الفرنسي. نوع ورق المغلف كان مختلفاً عن نوع الورق المعتاد، ذلك الذي كان يحمل لنا بداخله الرسائل الرسمية أو الرسائل البريدية العادية. الشكل الخارجي كان قد وشى إذن بالمحتوى:

"كل عام وأنت بخير صديقي...

أتمنى لك دوام النجاح والتقدّم في دراستك في السنة الجديدة.

صديقتك المخلصة".

في ذلك الوقت، كان من الطبيعي أن يكون إرسال التمنيات في هذه المناسبة، وفي كل المناسبات، عبر هذه الطريقة، فالهواتف المحمولة لم تكن في متناول يدنا بعد، ولا حتى كان لدينا عناوين بريدية الكترونية لكتابة الرسائل وإرسال أو استقبال الصور المعبّرة عن بهجة الأعياد. وضعتُ البطاقة في مكان ظاهر على رفّ من رفوف مكتبتي الصغيرة فوق سريري مع بطاقات أخرى قد وصلتني سابقاً بمناسبات مختلفة من أصدقاء لي وأهل مقربين.

كنت أبتسم كلما رأيت هذه البطاقة، ذلك أن المرسل، وهو الجميل في الأمر، كان زميلة لنا سوريّة تسكن في البناء نفسه. فقد ابتاعت من أجلنا بطاقات المعايدة وخطّت عليها جملة خاصة بكلٍ منّا، ومن ثم تجشّمت عناء الذهاب إلى مكتب البريد لتنتخب بنفسها الطابع المناسب من بين ما يعرضه عليها الموظّف من خيارات متعدّدة لهذه المناسبة.

لا زلت أتذكّر هذه الحادثة التي لم أدرك حينها قيمتها تماماً. معنى أن تبذل جهداً ولو بسيطاً لتقول لصديق أو قريب إنك تتذكّره في مناسبة ما.

لقد استلم أغلبنا في هذه الأيام، كما هو الحال في أيام أخرى مضت، عشرات البطاقات الإلكترونية والفيديوهات القصيرة التي تحمل لنا التبريكات وعبارات التهنئة بحلول العيد، عبر وسائط المراسلة المختلفة التي يزهو بها جهاز هاتفنا الذكي. أتت من كل مكان، من الحي الذي نسكن فيه ومن تلك المدينة التي تبعد عنّا مسافة عشر ساعات من الطيران. بطاقة يرسلها الأول إلى الثاني ومنه تذهب إلى شخص ثالث وهكذا. تزور هذه البطاقة بلداناً وقارات قبل أن تعود ثانية إلى المرسل الأول... هي نفسها.

بالطبع لا أحد يفكّر بأمر الحفاظ على البيئة من خلال الاقتصاد باستهلاك الورق، بل كل التفكير ينصبّ على أداء واجب لا بدّ منه، مهمّة ننفّذها بآليّة باردة تعبر عن علاقات قد أصبحت هي الأخرى باردة.

المساهمون