أمطار مصر وغياب الأولويات

28 أكتوبر 2019
الصورة
الأمطار عطلت حركة المرور في القاهرة (فرانس برس)
+ الخط -

 



لم تكشف أزمة أمطار مصر الأخيرة عن عدم استعداد الحكومة للتعامل مع الأزمات الطارئة فقط، بل كشفت عن جوانب أخرى خطيرة منها، رداءة البنية التحتية، خاصة المتعلقة بشبكات تصريف الأمطار والصرف الصحي والطرق، والتهالك في بنية مشروعات الصرف في جميع المحافظات، وتعامل المؤسسات الرسمية البدائي والمرتبك مع الأزمة.

لكن أخطر هذه الجوانب هو نظرة كبار المسؤولين السطحية وقصيرة الأجل لأزمة شعبية عنيفة عصفت بأرواح مواطنين أبرياء صُعقوا بالكهرباء وكبدت الاقتصاد القومي خسائر فادحة ما بين تعطل إنتاج عشرات المصانع ومواقع الإنتاج، وصعوبة وصول العمال إلى مقار عملهم، وتصدّع البنية التحتية وشبكات الكهرباء، وإغلاق طرق رئيسية مثل الدائري الإقليمي، وتعطل الدراسة في المدارس، وتعطل آلاف السيارات، إضافة إلى الخسائر التي تعرّض لها قطاعات اقتصادية مهمة منها الزراعة ومزارع الدواجن والتجارة الداخلية وشحن البضائع والتصدير.

فالمستشار نادر سعد، المتحدث باسم مجلس الوزراء خرج علينا في ذروة الأزمة بتصريحات أقل ما توصف بأنها مستفزة، حيث قال إن "التكلفة المقدرة لإنشاء شبكات تصريف الأمطار بمحافظات القاهرة الكبرى تتراوح قيمتها بين 200 و300 مليار جنيه". وتساءل بشكل يحسد عليه: "هل الأزمة التي تحدث لمدة يوم أو يومين سنوياً تستحق إنفاق هذا المبلغ الكبير؟ ولو كانت تستحق، هل سيكون المواطنون سعداء حينما يتعطل المرور لإنشاء شبكات تصريف الأمطار؟".

لم تكن هذه زلة لسان ارتكبها المتحدث باسم الحكومة التي عقدت اجتماعًا في نفس اليوم كررت فيه المعنى حيث أشارت في بيان إلى أن إنشاء شبكة لتصريف الأمطار يتطلب مليارات الجنيهات، في حين أن إمكانات الدولة المالية لم تكن تسمح بذلك، وأن معظم الدول لا تنفذ هذه الشبكات باهظة التكاليف، خاصة عندما لا تتعرض لمثل هذه الظروف الجوية الصعبة إلا لفترات نادرة كل عام أو اثنين.

وسارت على النهج وزارة الري التي أصدرت بيانا أكدت فيه أيضاً أن إمكانات الدولة المالية لم تكن تسمح بإنشاء شبكة تصريف أمطار في المدن المختلفة، حيث إن إنشاء شبكة منفصلة لتصريف الأمطار يتكلف مليارات الجنيهات.

ما صدر عن مجلس الوزراء والوزارات التابعة لم يخرج عن تصريحات أطلقها أكبر مسؤول في الدولة عقب حوادث القطارات الكارثية والمتكررة.

كما أن مثل هذه التصريحات تؤكد مجدداً غياب الأولويات لدى صانع القرار، فإقامة عاصمة إدارية جديدة تبلغ تكلفة مرحلتها الأولى 800 مليار جنيه أكثر أولوية من إقامة مدارس وجامعات ومدارس، وشراء طائرات أهم من إقامة مستشفيات ودور للرعاية الصحية، وإقامة قصور وفيلات واستراحات رئاسية ومقار حكومية في العاصمة الجديدة ومدينة العلمين الجديدة أهم من تأسيس شبكة للمياه والصرف الصحي وتصريف الأمطار.

ليس الأمر فقط قاصر على إساءة استخدام المال العام، وغياب بوصلة الأولويات، والميل للتظاهر والتفاخر على حساب خدمة المواطن وتحسن الخدمات، بل وتعمد تقليص الانفاق العام على المشروعات الجماهيرية.

وأبرز مثال على ذلك تقليص الحكومة مخصصات مشروعات المياه والصرف في العام المالي الجاري 2019/2020، إلى أقل من الربع لتبلغ 6 مليارات جنيه، من أصل 25 مليار جنيه طلبتها الهيئة القومية لمشروعات المياه والصرف الصحي التابعة لوزارة الإسكان، بخفض بلغت نسبته 76 في المائة.

وهذا الكلام كشفه رئيس الهيئة اللواء إيهاب خضر، أمام لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، أمس الأحد، حينما قال إن الحكومة، ممثلة في وزارتي المالية والتخطيط، رفضت اعتماد المبالغ التي طلبتها الهيئة لاستكمال مشروعات المياه والصرف الصحي المتعطلة في المحافظات، مكتفية بتخصيص نحو 9.88 مليارات جنيه، لم تحصل منها الهيئة سوى على 6 مليارات جنيه، بما يعادل ربع المخصصات المطلوبة.

دلالات

المساهمون