أمراض نفسية وجسدية

27 سبتمبر 2019
الصورة
بهذا يُهدَر الوقت الذي لا يمكن تعويضه (Getty)
توقّع أحد الآباء يوماً أنّه عند يتوفّى لن يمشي أبناؤه وراء جنازته، بل سيعمدون إلى استئجار عدد من الأشخاص لحمله إلى مثواه الأخير، بينما يكون أفراد عائلته مشغولين في تلقّي التعازي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ما ذكره وإن كان يشبه النكتة، إلا أنّه ليس بعيداً عن واقع مناخات عالم اليوم والغد الذي يعيشه الشبان والشابات عندما يسرقهم إلى متاهاته.

ويطرح الجلوس ساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون والإنترنت مسائل خطرة سواء على المستوى النفسي أو الجسدي. قد لا يشعر بها كثر من الشبان والشابات راهناً، لكنّها على المدى الطويل مدمّرة بكل ما تحمله الكلمة من معان. فقد بات ذلك أحد أنواع الإدمان المعروفة، أي أنّ المجتمعات انتقلت من عالم إدمان المواد الكيميائية والطبيعية المخدّرة والمهلوسة إلى مستوى يتلاءم مع العصر الرقمي الجديد. وقد نشأت في المجتمعات الحديثة عيادات متخصصة، باعتبار أنّ الحالة هذه تتطلب علاجات طويلة للتخلّص من مضاعفات تأثير العالم الافتراضي على سويّة هؤلاء الشبان والشابات، خصوصاً أنّ المعنيّ لا يتفاعل مع إنسان مباشرة، بقدر ما يتحدّث ويتواصل مع شخصية افتراضية تلجأ إلى تقديم نفسها بالطريقة التي ترغب فيها، ما يؤدّي إلى قدرة عالية لديها على التلاعب بالآخرين إذا قرّر صاحبها ذلك.

بين عالم الخارج الواقعي، رغم كل ما يموج به من أحداث واتجاهات وتجارب، وبين عالم الإنترنت والرسائل النصيّة بون شاسع، إذ أنّك تستطيع في الأوّل القيام بأنشطة ممتعة ومثمرة في الوقت ذاته في حين أنّك في الثاني تجلس أمام الشاشة لتمتصّ ما يُعرَض عليك من منوّعات. وهكذا يُهدَر الوقت الذي لا تستطيع تعويضه، خلافاً للمال الذي تستطيع استرجاعه إذا فقدته. لكنّ المردود يظل فارقاً ما بين ممارسة هواية مفيدة صحياً وجسدياً ونفسياً وبين إدمان تتحوّل معه إلى مجرّد أداة استهلاك لمنتج، قرّره مخرجون ومنتجون يعملون لمصلحة شركات تسويق عملاقة وتفقد معه حرية الاختيار والقدرة على الإبداع الذي يقتصر على هؤلاء. لذا ليس من قبيل الصدفة أن يحصل كثيرون، من تلك الساعات الطويلة، على أنماط تفكيرهم وعاداتهم وتقاليدهم. قد يكون البقاء في المنزل مأموناً في مجتمعات حيث تكثر الاضطرابات الأمنية والعنف السياسي والتفلت الأخلاقي، لكنّه على المدى المتوسط يفقد صاحبه حسّ أن يكون فرداً في مجتمع ينتمي إليه وعليه أن يتعرّف على مشكلاته ويساهم في تغييره وتقدّمه.



عندما يصير الجامعي والموظف وربّة الأسرة أسرى ما يُعرَض عليهم يتحوّلون إلى كائنات لا تعبأ إلا بما تشاهده على الشاشة أو ما يقدّم لها من أقوال ومشاهد على الوسائط التكنولوجية العصرية، خصوصاً أنّ معظم ما يُعرض ويُقال تتمّ "دبلجته" أو تحويره وتزويره بما يتلاءم مع أهداف المرسِل.

والكارثة الأكثر فداحة تتمثّل في المضاعفات الجسدية، إذ إنّ الجلوس أمام الشاشة أو الاتصال بالشبكة الخلوية لساعات طويلة يعرّضان المعنيّ إلى اعتلالات في وظائف القلب والأجهزة التنفسية والعصبية وأداء الهيكل العظمي وغيرها من إصابات تتطلب علاجات طويلة ومكلفة في الوقت ذاته، إذا لم نتحدّث عن أخطار تتهدّد الحياة على نحو مفاجئ. فالثابت أنّ أحد أسباب السُمنة الزائدة بين الشباب ليس فقط الإفراط في الطعام المشبع بالدهون بل هو انعدام الحركة، وهذا ما تعاني منه مجتمعات كثيرة شرقاً وغرباً في هذه الأيام.

(باحث وأكاديمي)