أمجد ناصر.. الفتى المراوغ

06 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
كم تبقّى لدي من وقت قصير، فلا يزال لدي أكثر من عمل أدبي أعكف عليه؟ هذا السؤال البارد لا يقدر أي شخصٍ على طرحه، لأن معناه أن لديه القليل جدا ليغادر الحياة، وأن أيامه القصيرة تقصر. والحقيقة أن هذا السؤال لا يقدر على توجيهه إلى طبيبٍ سوى المحارب الذي يعرف أن المعركة جولات، ويعرف جيدا أنها ليست رابحا وخاسرا. 
في مواجهة جديدة، يتوقف الشاعر أمجد ناصر، لكي يختفي قليلا، ويرتاح كثيرا، ويبقى أثره حاضرا ومكانه محجوزا، لأنه سيعود إلى جولةٍ أخرى، موقنا بالعودة، فلا غياب يطول لأمثاله، وهو ليس غائبا. ستعلو ذرات الغبار كتبه، بل ستملأ فراغه ذراتٌ من ذهب، فعندما كان الأطبّاء يُصارحونه بكلّ فظاظة العلم وقسوته وجفافه بأنّه سيموتُ بعد أسابيعٍ قليلةٍ، لأنّ السرطان نهش الشق الأيمن من دماغه، كان يتحدّى ذلك الإقرار الصريح، ويعلن عن مولد أفكار جديدة، فقد سبق أن صرّح وأقر في "مملكة آدم" أنّ الإنسان مسلوب الإرادة أمام هذا الجنون الذي يحيط به، فمع كل محاولةٍ في التمرّد لصناعة الحرية يخضع، فالإنسان هنا ليس صاحب الإرادة الحرّة، فكان قراره العودة إلى وطنه الذي تركه في حقبةٍ ما ليطيل الله في عمره أشهرا قليلة، وكأنه يريد أن يروي عطشه لثرى ذلك الوطن الذي زاحم حبه في قلبه أوطانا أخرى، كفلسطين ولبنان، بل كان ذلك الفتى البدوي الأصيل يشعر دوما بأن قلبه يتسع لأمة لا لوطن، وبعد أن ترك مرثيةً سيخلدها التاريخ، حيث قال عن نفسه وعن كل البشر البائسين الغافلين في نص ملحمي حارق للقلوب "لا أستطيع أن أبقى واقفاً على قدمي ما تبقى لي من الأيام/ حتى الشجرة لا تفعل، ألم نر أشجاراً ممدّدة إلى جانبها لكي ترتاح من عبء الوقوف ....".
عرف أمجد ناصر بأنه العاشق لفلسطين، والواقف بصمود مزلزل مدافعا بشجاعة عن الحرية والكرامة الإنسانية، وأصدقكم القول إنني، حتى وقت قريب، كنت أعتقد أنه فلسطيني الجنسية، لفرط حبه فلسطين. ولحديثه المليء بالشجن والحنين عنها، على الرغم من أنه عرف طريق أبواب الغربة، لكنه ظل محتفظا بسجايا الفدائي المنذور لثرى الأرض. ويجمع القريبون منه أن اغترابه في بلاد الضباب لم يغيّر ويبدّل من أسلوب حياته، ونمط تفكيره وسلوكه، كأحد أبناء البلد البارّين الذين عرفتهم، في مراحل حياتهم المبكرّة، الأزقة والمقاهي. ويبدو ذلك واضحا جليا في مجموعته الشعرية الأولى "مديح لمقهى آخر".
يغادرنا أمجد ناصر الواقع في غواية الرواية، حيث أصدر روايتين. وكان يستعد ليوم الرحيل جيدا، حيث يقول: اليوم جئتَ بلحيةٍ حليقةٍ وتبغكَ معك، هبطتَ الدرج، طلبتَ قهوةً سوداء من نادلةٍ مُهاجرةٍ تترّنم بأغنيةٍ سلافيةٍ وجلستَ إلى طاولةٍ غادرها رجلٌ غاضبٌ قال لرفيقتِه الشابّة وهو ينهض بقفزةٍ واحدة: لا شيء يحدثُ بلا سبب!
ولأن لا شيء يحدث بلا سبب، فقد اصطففنا في طابور تلامذة أمجد ناصر. وقد كان لقائي الأول معه مع أول قصة قصيرة، نشرها لي في صحيفة القدس العربي، ثم جاء اللقاء الثاني من خلال ملحق فلسطين الذي كان يتولى تحريره في "العربي الجديد"، وحيث كلفني بأكثر من عمل ثقافي من غزة تحديدا. وفي كل مرة، يسألني عن غزة، بحيث تخيلت أنه قد ترعرع في أحد مخيمات اللاجئين فيها.
ولأن لا شيء يحدُث بلا سبب، ها هو يغادرنا الشاعر والأديب، وله الذكرى الخالدة في القلوب والذاكرة. كيف لا وهو الذي علّمنا الشجاعة، وأن نبقى جنودا محاربين حتى النهاية، والذي علمنا لكي نعلم أولادنا، خصوصا مع موسم الهجرة من غزّة في هذه السنوات العجاف الصعاب، أن البلاد مهما قست على أولادها فهم يطيرون بجناح واحد، ولا بد من عودةٍ إلى أحضانها فهي الخيار الأول والأخير للمثوى الأخير.