أماني وأغاني

08 مايو 2019
فجر الثلاثاء 30 إبريل/ نيسان الماضي، وقف رئيس البرلمان الفنزويلي، زعيم المعارضة الفنزويلية، خوان غوايدو، منتصب القامة، أمام قاعدة لا كارلوتا الجوية، وإلى جواره مرشده الروحي والسياسي ليوبولدو لوبيز.
كان ظهور لوبيز مثيرًا للتساؤلات؛ فالرجل أشهر سجين سياسي في فنزويلا، ومحكوم عليه بالإقامة الجبرية، ويفترض ألا يكون في هذا المكان بأي حال! فكيف أفلت من قبضة رجالات الرئيس مادورو؟ ولماذا قرر الظهور أمام العدسات؟
قبلها بساعات، لعب لوبيز دورًا محوريًا في التمهيد للانقلاب على مادورو، واستثمر إرهاصاتٍ تشير إلى سخط النظام على مادورو نفسه؛ فرأى أن السماح لغوايدو بالتحرك من دون مضايقات دعم غير مباشر له، ولمس لوبيز في نفوس المقربين من مادورو ميلًا للمعارضة؛ فهذا رئيس فريق الاستخبارات الفنزويلية، مانويل فيجيرا، قد أطلق سراح لوبيز، وفي ذلك دليل مادي قوي وولاء للمعارضة.
في تحركاته المكوكية، التقى لوبيز وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير بادرينو لوبيز، وأكد له بقاءه في منصبه في الحكومة الانتقالية بعد إطاحة مادورو، ووعده وزير الدفاع بالمساعدة، كما قرأ لوبيز في عيني رئيس المحكمة العليا، مايكل مورينو، نقمة على مادورو. ولم يغب عن مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، أن يرسل رسالة إلى وزير الدفاع الفنزويلي، يحضه فيها على خلع مادورو ويحذره، في الوقت نفسه، من التمسك به، وكلها إشارات على طريق نجاح خطة المعارضة الفنزويلية.
وحدث لوبيز نفسه "فاضل ع الحلو دقة"، واستبشر غوايدو خيرًا ومنى نفسه بالجلوس على كرسي مادورو، وبدأت الترتيبات وفق خطة محكمة وترتيب مسبق مع الأطراف الفاعلة والمؤثرة، وحانت لحظة الحسم والإنجاز. وقف غوايدو يخطب مزمجرًا ومؤكدًا حيازته ولاء الجيش الكامل لقادة الجيش الفنزويلي.
فات غوايدو أن وعود الليل "زبدة يطلع عليها النهار تسيح"، وفوجئ بأن وزير الدفاع يقف في التلفزيون الرسمي إلى جانب مادورو، الذي أعلن السيطرة على "محاولة انقلاب صغيرة قام بها عسكريون خونة"، ودان وزير الدفاع الانقلاب.
أيقن ليوبولدو لوبيز أن وزير الدفاع "أكل بعقله حلاوة وبقلاوة"، واستغاث بالسفارة الإسبانية في كاراكاس، وطلب حمايتها مما قد يلقاه على يدي مادورو، وهرب فيجيرا خارج البلاد، بينما غوايدو "فص ملح وداب"!
لم يتمكن غوايدو من إطاحة مادورو، وبينما ينام ويستيقظ على هذا الهاجس، وعلى الرغم من تنصيب نفسه رئيسًا بالوكالة يوم 23 يناير/ كانون الثاني الماضي، لكن تبقى أماني غوايدو معلقة حتى إشعار آخر، ولم ينتفع حتى اللحظة باعتراف الولايات المتحدة به رئيسًا للبلاد، ومن بعدها 50 دولة أخرى خلعت عليه الشريعة.
بينما رفضت روسيا والصين وتركيا وإيران وكوبا والمكسيك وبوليفيا الاعتراف بغوايدو، وأكدت دعمها الرئيس مادورو القادم من بوابة صناديق الاقتراع. أما مادورو (56 عامًا)، (سائق الحافلة سابقًا والزعيم النقابي) فلم يتوقع يوم 20 مايو/ أيار 2018 أن يدخل هذا النفق المظلم مع المعارضة؛ فالرجل في هذا اليوم تحديدًا فاز بولاية ثانية مدتها ست سنوات، ومن شرفة قصر ميرافلوريس الرئاسي، وإلى جواره زوجته الحسناء سيسليا فلورنس، خطب في أنصاره منتشيًا بهذا الانتصار.
حصد مادورو نسبة 67.7% من أصوات الناخبين، وفق المجلس الوطني للانتخابات الفنزويلية، ومن بعده منافسه الأول هنري فالكون (57 عامًا)، بنسبة 21.2%، وفي المركز الثالث خافيير بيرتوتشي وحصل على 11%. وبدا مادورو مزهوًا وهو يخطب من شرفة ميرافلوريس قائلًا: "لم يحصل مرشح رئاسي قط في السابق على 68% من التصويت الشعبي"، ووصف هذه النسبة بالقياسية والتاريخية.
لكن فالكون وبيرتوتشي والبرلمان الذي سيطرت عليه المعارضة في 2015 لم يعترفوا بنتيجة الانتخابات، ومعها بدأت لعبة الكر والفر بين مادورو والمعارضة، حيث يغني مادورو أغاني النصر، وتعيش المعارضة أماني إطاحته، وللقصة فصول جديدة تحملها الأيام المقبلة.
تعليق: