أليس في بلاد السياسة

15 ديسمبر 2019
+ الخط -
من الصعب ألا يربط مشاهد فيلم "أليس والعمدة" للمخرج الفرنسي نيكولا باريزييه، بطلة الفيلم –والتي تدعى أليس- بأليس المعروفة في رواية الكاتب الإنكليزي لويس كارول؛ "أليس في بلاد العجائب"، حيث إننا من البداية نرى في ملامحها ذلك الذهول من دخول عالم تبدو معاييره مختلفة عمّا تعوّدته. لقد ولجت بالصدفة إلى عالم السياسة.

يبدأ كل شيء من تسلّم أليس (أداء: أنايس ديموستييه) مهامها في فريق عمدة مدينة ليون الفرنسية، بول تيرانو (أداء: فابريس لوشيني)، وهو الرجل القوي في حزبه ومرشّح لخوض الانتخابات الرئاسية. منذ أن يعرف العمدة بأن أليس قد درست الفلسفة، يعهد إليها بمهمة خاصة: اقتراح أفكار جديدة عليه. وفي الحقيقة، يعبّر هذا الخيار عن جهل العمدة بالفلسفة، فهو يتحدّث عنها من منطلق فهم سطحي للغاية، حتى يقول في أول لقاء بأليس: أنت فيلسوفة أليس كذلك؟ فتستغرب منه وتوضح أنها فقط درّست الفلسفة لأجانب.


بمرور الوقت، يكتشف العمدة أن أليس تقدّم له من النصائح ما يجد تجاوباً شعبياً، فيقرّبها أكثر، بل إنه يعترف لها بأنه فقد القدرة منذ سنوات على ابتكار فكرة جديدة، وأنه يواصل مسيرته السياسية بقوة الدفع التي منحته إياها سنوات عمله الأولى، وهنا يدخل الفيلم في نوع من إعادة قراءة مسلمات العائلات السياسية الكبرى في فرنسا من خلال تلك النقاشات التي يعقدها العمدة مع أليس التي تعبّر في كل مرّة عن صوت شعبيّ بريء، قد يجهل الكثير من المعطيات ولكنه مليء بالحس السليم.

كلما تزايدت ثقة العمدة بأليس، كلما لاحظنا تزايد الأذى الموجّه ضدّها من قبل بقية أعضاء الفريق، هكذا نكتشف كل دواليب الآلة السياسية من الداخل، ونفهم كم أن القرارات التي نسمّيها سياسية، وتبدو نابعة من قناعات فكرية وأيديولوجية، تظل محكومة بردود أفعال صبيانية أو نتاج نرجسيات مجروحة، وما إلى ذلك من الصغائر.

بعيداً عن قصّته، يبدو الفيلم وقد طرح سؤالاً كبيراً على أهل السياسة: هل أن لديهم ما يقدّمون بالفعل للناس؟ سؤال يجيب عنه العمدة (لكن في كواليس مكتبه) بأنه لم يعد من الممكن مواصلة هذا الغش المتفق عليه. ألا تدور الأمور كذلك في الواقع في معظم الأحيان؟ ما الذي يقدّمه السياسيون؟ هل ينتجون الأمل والمعنى للمواطنين كما يدّعون؟

الفيلم يكشف نقطة أخرى، يمكن تلخيصها في تساؤل آخر: ما الذي يعيق السياسيين من رؤية هذا العجز الذي هم عليه؟ ذلك حال العمدة قبل أليس، إنه مشغول عن رؤية الدائرة المفرغة التي يدور فيها بجيش من الموظّفين حوله، وبجدول أوقات ممتلئ، ونسق محموم من التنافس، وجو مليء بالدسائس. وبعد ذلك أي مساحة تبقى لتطوير الأفكار التي "تغيّر المدينة" (شعار كان يرفعه العمدة طول الوقت).

بشكل عام، يمكن أن نعتبر الفيلم، الذي عرض خلال الأسابيع الأخيرة في فرنسا، كمحاولة إضافية في نقد المشهد السياسي الفرنسي حيث اعتقد كثيرون أن ما حدث في 2017 كان "ثورة صناديق" وقت أن أفرزت الانتخابات طبقة سياسية جديدة، قبل أن يكتشف الفرنسيون بعد أشهر قليلة أن الوجوه تغيّرت بالفعل دون أن تتحسّن الأحوال، وقد انفجرت الأوضاع بالفعل بين نهاية 2018 وبداية 2019 ضمن ما عُرف بحركة "السترات الصفراء".

يعيش اليوم أكثر من بلد عربي، من الجزائر إلى العراق، مروراً بتونس والسودان ومصر ولبنان، على وقع تململات شعبية تظهر عدم الرضا عن السياسات المعتمدة. وفيما يتركّز الحديث عن ثنائيات السلطة والمعارضة، واليسار والإسلاميين، والمدنيين والعسكريين، قلما يجري التساؤل: كيف يُصنع القرار؟ أما السؤال الآخر: هل ينتج السياسيون الأمل والمعنى للناس؟ فلا تبدو الإجابة عنه في صالح الممسكين بمواقع القرار اليوم بنواجذهم. يكفي أن نأخذ موقع أليس كي نرى ذلك، أي أن ننظر للأمور بعفوية وبراءة.

دلالات