ألوان من السعادة والقلق

08 يوليو 2020

هل السعادة متعة شخصية جداً؟. القرية السعيدة، العائلة السعيدة، والمملكة السعيدة لا توجد إلّا في الأساطير والحكايات.

يوجد ملك سعيد ولا توجد مملكة سعيدة. الفرد هو موضوع السعادة وبؤرتها وهدفها وقضيتها. يحدث الخلط المعتاد حين تنعكس سعادة الفرد على تصرفاته ومشاعره تجاه عائلته وجماعته وشعبه فيعتقد خطأ أنَّ كلاً منها في حد ذاتها كائن سعيد.

أنا سعيد فأرى عائلتي سعيدة وأفراد مكتبي أيضاً سعداء. هذا لا يعني في الحقيقة أنَّهم بالفعل سعداء. ثم أنَّ السعادة موقوتة وفانية إن صحّ التعبير.

أنا سعيد الآن. سعيد بالفوضى المرتبة في غرفة مكتبي، وسعيد بانتهائي من كتابة مقال الأسبوع، وسعيد بالقطعة الموسيقية التي أحسنت اختيارها لتناسب هذه اللحظة التي أنا عليها الآن ومنغمس فيها، وسعيد كذلك بمتابعة برنامج يتناول فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 ونتائجه المثيرة للجدل، وسعيد بعودة دوري الكرة الألمانية "البوندزليغا" بعد توقف أنشطته.. وبقية الدوريات الكبرى في العالم مثال اسبانيا انكلترا وايطاليا، وبعودة الحياة إلى طبيعتها قبل انتشار الجائحة، والسعادة قد تطول أكثر فأكثر وتشتمل كثيرون يفترضون ولا ينتبهون فلا يلومون إلّا أنفسهم. وقلقل حيال الحياة بعد كورونا ومشكلة التباعد الاجتماعي وآثارها الجانبية، وقلق أكثر من واقع الحياة في سورية وتراجع قيمة الليرة والغلاء المستشري الذي ألّب مضاجع الكثير من الناس، وقلق جداً، ومستاء أكثر من الإعلان عن أسماء مرشحي حزب البعث الميامين المرشحين لمجلس الشعب السوري الذي صار يتهافت عليه "حثالات" الناس ممن لفظهم المجتمع، وأبعدهم عن قائمة ذاكرته، وإن كانوا من المتعلّمين!.

يوجد ملك سعيد ولا توجد مملكة سعيدة. الفرد هو موضوع السعادة وبؤرتها وهدفها وقضيتها

 

وإذا ما استعرضنا أسماء المرشحين الذين استأنس بهم أعضاء الحزب، فهم في الواقع يأتون في سلّم الوجوه التي لا يرغب بها أحد لتمثيله في البرلمان، بصورة عامة، فكيف لهكذا حزب "مسموم" ومعتلّ أعضاؤه، ولم يقصّر يوماً في تسليم المناصب وإهدائها إلى اللصوص والمنتفعين المقربين من أعضاء القيادة الحزبية، باعتبار الحزب، كما يدعون، قائد الدولة والمجتمع، ومنذ تأسيسه وإلى اليوم، ما زال يهيمن ويسيطر على مفاصل الدولة والمستفيد الموظفين والعاملين الصغار المرتبطين بأعضائه الذين خربوا البلد وأعادوه سنوات إلى الوراء بدلاً من المضي به قدماً، وهذا الحال أيضاً ينطبق على المرشحين المستقلين من عمّال وفلاحين، وصغار الكسبة وباقي فئات الشعب!.

وكنا نمني النفس أن تضع القيادة "الخبيثة" للحزب والدولة اشتراطات قاسية لشخص المرشح، إلّا أنّ الوضع في سوريا لم يعد يسمح، وهذه ذريعتهم، هذا ما كان متعارف عليه ومنذ البدايات، فالذي يدفع أكثر فسيكون من نصيبه الفوز بمقعد متقدّم في المجلس يليق به وبمن والاه.

"ادفع بالتي هي أحسن"، الشعار المتعارف عليه في عموم سورية، تنل بلا شك شرف إشغال إي وظيفة أو عمل تُقدم عليه وترغب فيه فكيف بعضوية مجلس شعب، فهذه بالتأكيد أبسطها، والمتسابقون عليها كثر! وعضو مجلس الشعب خاوي من كل شيء. وإن كان عضو المجلس في الماضي أفضل حالاً من اليوم. على الأقل له اسمه وسمعته ومكانته.

إنَّ نيل عضوية مجلس الشعب لم تعد تلبّي أو تثير رغبة الإنسان المثقف المتعلم في وقتنا الحالي، بعد أن حلّ بسوريا ما حل بها. فعضوية المجلس أكثر ما صارت تهم، ويتسابق إليها صغار "العواينية"، المنتفعين الذين رفسهم المجتمع ولا يقبل بهم مطلقاً، وليس لهم اي مقوّم من مقوّمات النجاح.. إنهم مجرد دمى محنّطة لا رأي لها، وإن أدلوا بآرائهم فإنه لا يوجد من يأخذ بها، أو ينصت إليها. سيظلون مهمّشين، وهم في قرارة أنفسهم لا يهمّهم سوى الوصول إلى غاياتهم وتحقيق مآربهم، وتجسيد رغباتهم بأي صورة كانت، والجري وراء مكاسب سيفرزها لهم مقعد مجلس الشعب الذي يتباكون عليه!.

فكيف سيكون رأي المواطن، الذي انتخب أمثال هذه الشريحة من "الأوباش" الذين لا مبدأ ولا أخلاق تعنيهم!.

تفضلوا أيها القادمون الأعضاء بالجلوس على كرسي مهزوم يلفظه المجتمع، ويدنّسه أمثالكم. أنتم أيها المتخفّون على خدمة الناس البسطاء الذين فقدوا العيش الكريم والمسكن الآمن الذي يأويهم، وهم في أمس الحاجة إلى حكومة منصفة تراعي مشاعرهم وتحافظ على ما تبقى من ماء وجهها!

دلالات