ألمانيا وقصة عودة الدوري... بين الرفض والتعطش

25 مايو 2020
الصورة
مشجعو نادي هيرتا برلين يتابعون في إحدى الحانات (Getty)
يوم التقى ناديا هيرتا برلين ويونيون برلين في الديربي قبل ستة أشهر، كانت المدرجات قد اشتعلت حرفياً بصخب الجماهير، بعد إطلاق الشماريخ والألعاب النارية إلى أرضية الميدان، في ظلّ الصراع الكبير والتاريخي بينهما.

كان المشهد مختلفاً للغاية يوم التقيا في الدوري الألماني مرّة أخرى يوم الجمعة الماضي، حين أطلقت صافرة البداية في ملعب هيرتا برلين الخالي من الجماهير.

وقال مشجع هيرتا كريس تشواليز، صاحب الـ56 عاماً، في تصريحات نقلتها "واشنطن بوست": "لقد كان الأمر مروعاً".

وحظي الرجل الخمسيني بتدخين سيجارة وحيدة خلال الفترة بين الشوطين، واشتكى من ضعف الأجواء واللعب الباهت في الشوط الأول.

منذ عودة الدوري الألماني مجدداً إلى الواجهة في ظلّ جائحة فيروس كورونا التي لا تزال تتصدر المشهد عالمياً، حظيت البوندسليغا بمتابعة كبيرة، في الداخل وكذلك من الخارج.

وشكّل دوران عجلة الدوري مجدداً في ألمانيا فرصاً لإرضاء تعطش الأشخاص المتعلقين بشكلٍ كبير بالرياضة، لا سيما أن العديد من الدوريات الكبرى ومعظم الرياضات، كالتنس وكرة السلة، لم تعد حتى اللحظة، لذلك وبحال نجاح هذه التجربة قد تصبح نموذجاً لاستئناف الرياضة في جميع أنحاء العالم.

كرة القدم في جوهرها تبقى رياضة جماعية لا يمكن منع أو تجنّب الاتصال الجسدي الوثيق فيها، وهنا تطرح الكثير من الأسئلة حول مدى قدرة قواعد الدوري الألماني وآلية الاختبارات والحجر الصحي والحدّ من الاتصال الخارجي على أن تكون كافية لمتابعة الموسم وإتمام المهمة على أكمل وجه.

ويرى العديد من المشجعين المتشددين في كرة القدم الألمانية أن الفرق تضع المصالح المالية قبل ما هو الأفضل للاعبين والمتابعين والمشجعين.

وكان مسؤولون ألمان قد أعربوا، في وقتٍ سابق، عن ثقتهم في أن بروتوكولات الأمان الخاصة لمواجهة الجائحة ستضمن استمرار الموسم.

وقال هانسي فليك، مدرب نادي بايرن ميونخ، في وقت سابق من هذا الشهر: "إن العالم كلّه يراقب ألمانيا، كي يشاهد كيف نقوم بذلك، يمكن أن نكون قدوة لجميع الدوريات".

في استراتيجية وضعها القائمون على البطولة هناك، تألفت من 50 صفحة، خطّ اتحاد كرة
القدم الألماني القواعد المفصلة، التي تغطي مجموعة واسعة من المواقف المتوقع حصولها،
وتنصّ على ترتيبات النقل التلفزيوني وكيفية تدريب الفرق على النظافة الشخصية للاعبين.
بموجب القواعد الجديدة، يتعين على الفرق المتنافسة الوصول في أوقات مختلفة إلى الملاعب، في غرف تغيير الملابس أقنعة الوجه إلزامية. وعلى أرض الملعب حُظرت فكرة التقاط صور للفريق أو المصافحة.

قبل استئناف الموسم، طُلب من جميع الفرق قضاء أسبوع واحد في الحجر الصحي الجماعي، كما يتم إجراء اختبارات للكشف عن الفيروس بانتظام.

بعد المعانقة والتقبيل بين لاعبي هيرتا، الذين احتفلوا بالأهداف في نهاية الأسبوع ما قبل الماضي، كان على البوندسليغا تذكير الفرق بالقواعد التي تمنع الاتصال.

وبينما سجل هيرتا أول هدفين له خلال دقيقتين، مساء الجمعة الماضي، أمام يونيون، كانت قيود الاتصال بعيدة عن أذهان الجميع في حانة فرانكي جنوبي برلين، هناك زينوا المكان بأوشحة وتذكارات هيرتا.

قام مالك الحانة فرانك ساسولي، البالغ من العمر 62 عامًا، بترتيب الطاولات على مسافة 1.5 متر من بعضها، وحثّ الجميع على ارتداء القناع عند القيام للمشي داخل الحانة.

في حين أن العديد من الحانات في برلين لا تزال مغلقة، يُسمح بفتح المؤسسات غير المخصصة للتدخين التي تقدم الطعام. وقال ساسولي إن معظم الناس سعداء بعودة بعض الأمور الطبيعية: "إنه أفضل من لا شيء، المشجعون متحمسون".

قبل ظهور الفيروس، كان التنافس بين يونيون وهيرتا يتحضر ليصبح واحداً من أهم الدربيات في البوندسليغا، وربما أوروبا، بسبب التعصّب بينهما، إذ كانت مباراتهما، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الأولى منذ أكثر من 40 عاماً.

بينما يأتي يونيون من شرقي برلين، ينحدر هيرتا مما كان يسمى غربي المدينة، وهذا الأمر أضاف ميزة إلى المنافسة (في إشارة إلى برلين الغربية والشرقية يوم كانت البلاد مقسّمة قبل انهيار الجدار الشهير في العاصمة عام 1989).

وقال روبي هانكي، المعلق الرياضي الذي كان من بين القلائل المسموح لهم بدخول الاستاد، إن اللوجستيات كانت سلسة حتى الآن.

رغم ذلك يرى هانكي: "ربما أنا غريب في تفكيري، أنا مراسل رياضي، وأعتقد أنه من الرائع رؤية هذه المباريات، لقد كانت كرة قدم نقية، فقط كرة قدم ولا شيء آخر، لن أشعر بالمفاجأة إذا ما قامت دوريات أخرى بنسخ ولصق النموذج الألماني".

لم يكن الجميع سعداء للغاية بعودة الدوري الألماني بهذه الطريقة، وفي استطلاع رأي أجرته شركة "Infratest dimap" لصالح إذاعة ألمانيا العامة "ARD"، قال 56% من المشاركين إن استئناف المباريات كان قراراً غير صائب.

ربما يكون من المدهش أن كلّا من جمهوري يونيون وهيرتا، اللذين يعتبران من أكثر المشجعين المتشددين المعروفين باسم "أولتراس"، قد رفض متابعة الدوري بسبب عدم حضور المناصرين في المدرجات.
ويؤكد كثرٌ أن هذه العودة ليست سوى نشاط تجاري لبيع منتج كرة القدم من أجل تحقيق الأرباح، مع العلم أن عدّة أندية ألمانية حذّرت من إشهار إفلاسها إذا لم يبدأ الموسم في وقت سابق.

وقال آرني ريتشر، الذي يغطي أحداث الدوري لوكالة الأنباء الألمانية، في حديث لواشنطن بوست: "الأمر كلّه يتعلّق بأموال النقل التلفزيوني، هذا هو السبب الوحيد الذي يلعبون لأجله، الأمر ليس له علاقة بأي فكرة رومانسية عن الرياضة، هم بحاجة للمال".
تعليق: