ألمانيا والأزمة الإيرانية

03 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
في مطلع الألفية، ومع اندلاع الأزمة العراقية، أو ما تعرف بحرب الخليج الثالثة عام 2003، وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحشد الحلفاء من أجل إسقاط نظام صدام حسين، عبّر المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر عن موقف بلاده من تلك الحرب بوضوح لا لبس فيه، حين قال: "لسنا مستعدين لخوض هذه المغامرة، ودبلوماسية التوقيع على شيك أبيض ولت بلا رجعة"، مؤكّدا أن بلاده لن تساهم في الحرب على العراق، لا بالجنود ولا بالتمويل. صحيحٌ أن المستشار الألماني ووزير خارجيته يوشكا فيشر من حزب الخضر حينها لم يذهبا بعيدا في موقفهما الجديد، فقد تم منح الجيش الأميركي تصريحا باستخدام القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي الألمانية في عملياته الحربية، كما التزمت الحكومة الألمانية بتقديم مساعدات عسكرية لتركيا وإسرائيل في حال تعرّضهما لهجوم عسكري من صدام حسين. 
الأمر يتجدد مرة أخرى حاليا مع الأزمة الإيرانية، فتطلب واشنطن من برلين رسميا المشاركة في القوة التي تشكلها أميركا لحماية الملاحة في مضيق هرمز، فترد برلين بعدم الموافقة على ذلك، وذكرت أنها ستشارك في تحالف أوروبي لحماية الملاحة في المضيق، ولكن ليس التحالف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة وبأهدافه المعروفة. ولهذا الموقف الألماني أسبابه الخاصة ودلالاته. لقد لعبت ألمانيا دورا محوريا في صياغة الاتفاق النووي الإيراني وبنوده، فقد عزّزت محادثات خمسة +1 وضع ألمانيا، فلأول مرة في فترة ما بعد الحرب الباردة، دُعيت برلين إلى تشكيل السياسة العالمية إلى جانب قوى "الفيتو" (حق النقض) الخمس للأمم المتحدة. وحققت ألمانيا بالفعل شيئًا يقترب من التمثيل المزدوج في هذه المحادثات - من خلال كل من ممثلتها الوطنية والمفاوضة الرئيسية للاتحاد الأوروبي، هيلغا شميد، والتي عملت من قبل مديرة لمكتب وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر، وكانت على اتصال جيد مع المستشارة ميركل، أسست نفسها شخصية موثوقة في المحادثات مع الجانب الإيراني، بصفتها نائبة لكاترين آشتون وفديريكا موغريني، الممثلتين الرسميتين للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فقد قادت مجموعاتٍ فرعيةً من مجموعة الدول الخمس +1، وأعدت محادثات مع كبار المفاوضين الإيرانيين، وأنجزت الاتفاق الإيراني ببنوده المختلفة.
وكان نجاح هذا الأمر تعزيزا لمكانة ألمانيا على الصعيد الدولي، وقدرتها على الوصول إلى 
حلول تعزّز الأمن والسلم العالميين، وواحدة من بين الدول الكبرى القادرة على لعب دور مهم في الساحة السياسية الدولية. وفي الوقت نفسه، اعتبرت برلين ذلك نجاحا لسياستها التي تتبناها، وهي أن الدبلوماسية قادرة على حل الأزمات بديلا عن الحرب. في الوقت نفسه، تسعى المستشارة الألمانية إلى اتخاذ موقف موحد مع الشركاء الأوروبيين، خصوصا الفرنسيين والبريطانيين، متجنبة الانقسام السياسي الذي نشأت عنه ثنائية أوروبا العجوز وأوروبا الجديدة في أثناء الغزو الأميركي للعراق في 2003. ويتقاطع هذا الموقف الموحد الذي تسعى إليه برلين مع رغبات الشركاء الأوروبيين الآخرين الذين يريدون الحفاظ على مصالحهم، وأولها الحفاظ على الاستقرار في منطقة الخليج، كونها منطقة مهمة للنفط، وكذلك تنويع إمدادات الاتّحاد الأوروبي من الطاقة، من خلال زيادة الواردات الإيرانية، وتخفيض اعتماد أوروبا الكبير على الطاقة من روسيا، إلى جانب توسيع العلاقات الاقتصادية مع إيران. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك بين خمسة آلاف إلى سبعة آلاف شركة ألمانية تعمل بانتظام مع إيران. وعندما بلغت عقوبات الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي ذروتها على إيران بين 2012 و2015، صدّرت ألمانيا سلعاً وخدماتٍ بلغت قيمتها حوالي مليارَي يورو سنوياً إلى إيران (الشراكة الاقتصادية بين برلين وواشنطن أضعاف أضعاف شراكتها مع طهران).
وهنا يبرز أمر آخر له دلالة واضحة على سياسات جديدة يتبعها الاتحاد الأوروبي، والذي اعتبر في الماضي أحد الأذرع السياسية لواشنطن، والتي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو السعي إلى الاستقلال في القرار السياسي، وامتلاك المصير، على حد تعبير المستشارة الألمانية ميركل، في كلمتها أمام مؤتمر ميونخ للأمن في بداية العام الحالي (2019)، وهو ما يعني أيضا السعي إلى اتباع سياسة جديدة مستقلة، وبعيدة، في الوقت نفسه، عن سلطة واشنطن وتأثيرها، ولكن هذا أيضا لا يعني حرق الجسور كلها معها، وهو ما يتطلب طرقا سياسية واقتصادية جديدة، لفك هذه الارتباط وتعزيز استقلالية الاتحاد الأوروبي. وهنا تأتي الأزمة الإيرانية اختبارا حقيقيا لهذا المنهج الأوروبي الجديد، فيعتبر فرض الإدارة الأميركية عقوبات اقتصادية على شخصيات إيرانية، منها وزير الخارجية محمد جواد ظريف، بمثابة انتكاس للمسعى الأوروبي إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية كما كان مخططا له، وأيضا عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على إنشاء قنوات دفع مستقلّة عن الولايات المتّحدة، مثل صندوق نقد أوروبي ونظام عالمي مستقل للاتصالات المالية بين البنوك. قد يقول قائل إن ذلك يحتاج إلى وقت طويل، وهذا صحيح، لكنه لا ينفي وجود أدوات أخرى لدى الاتحاد الأوروبي، خصوصا الألمان في ممارسة ضغوط على الإيرانيين، لتغيير سلوكهم من ناحية، وللحفاظ على المصالح الأوروبية، والدفع بإيران مجدّدا إلى طاولة المفاوضات.
تغيرت موازين القوى العالمية، ولم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد، فقد برزت قوى جديدة إلى الساحة الدولية، مثل الصين التي دخلت مع الولايات المتحدة في حرب تجارية طاحنة 
ستستمر عقودا من أجل بسط السيطرة مرة أخرى، وإزاحة الوافد الجديد، أو الاعتراف به مهيمنا وشريكا في الساحة الدولية. في الوقت نفسه، عاد الروس، وبقوة أخرى، إلى الشرق الأوسط من خلال الأزمة السورية التي لم يعد حلها ممكنا من دون الدخول عبر البوابة الروسية. في الوقت نفسه، تعلمت الولايات المتحدة، من خلال الحرب العراقية، أن قواتها البرية غير قادرة على تحقيق أي نصر على الأرض في الشرق الأوسط، على الرغم من التفوق العسكري، وهذا ما دفع في ما بعد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى سحب القوات الأميركية من العراق، فخلف فراغا شغلته إيران، وهو الدافع نفسه الذي جعله يستبعد التدخل العسكري، حتى من الجو، في الحرب الأهلية السورية، فخلف ذلك فراغا سرعان ما شغلته روسيا، وعزّز من وجودها وعودتها إلى الشرق الأوسط.
يشير هذا كله إلى أن تحالفات ما بعد الحرب الباردة تصدّعت، وهناك تحالفات جديدة تنشأ على أسس وموازين قوى جديدة.