ألمانيا: المؤامرة و"حكومة العالم الخفية" تغذيان خطاب اليمين المتطرف

18 مايو 2020
الصورة
تململ شعبي من إجراءات التباعد الاجتماعي (توماس لونز/Getty)
+ الخط -
يستعرض اليمين المتطرف ومجموعات النازية الجديدة في ألمانيا عضلاتهم، هذه الأيام، في وجه ما يصفونه بـ"مؤامرة كورونا"، معتبرين أنفسهم "مدافعين عن الحريات والديمقراطية"، في استخدامٍ واضحٍ للوباء، من أجل تحقيق مكاسب في الشارع. ويستغل هؤلاء التململ الشعبي من إمكانية أن تمتد الإجراءات المتعلقة بالتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات الواقية لفتراتٍ طويلة، خصوصاً في ظل غياب أفق لقاح أو علاج فعّال ضد الفيروس. هذا الاستعراض اليميني المتطرف، والذي يشارك فيه أيضاً حزبٌ سياسي هو "البديل من أجل ألمانيا"، مع دخول قساوسة وفنانين على الخط، يراه البعض استهدافاً للنخبة السياسية وللطبقة الحاكمة، أكثر من كونه ادعاء معسكر متطرف الخوف على الحريات. ويجد ركوب موجة الخوف من الوباء تربة خصبة وتجاوباً في أوساط شعبية محلية، تندفع للتعليق الجماعي المهاجم لـ"الإدارة السياسية" الحاكمة في تعاملها مع الوباء.

وعلى الرغم من توجه برلين لتخفيف القيود المرافقة لوباء كورونا، ومن بينها فتح الحدود الألمانية مع الجارة الشمالية، الدنمارك، فإن اليمين المتطرف يستغل الوضع الناشئ عن الوباء، للخروج في تظاهرات تدعو إلى احترام حقوق المواطن والحرّيات عموماً. وتنضم مجموعات ذات توجه متشدد إلى هذه التظاهرات، لاستغلالها في تسويق نفسها وخطابها المعارض للتركيبة السياسية والحزبية في البلاد.

تأثير يبسن
خلال الأيام الماضية، ومع انتشار التظاهرات الرافضة لما يسميها منظموها "فرض ديكتاتورية الدولة على المواطنين"، بدأ اليمين المتطرف الألماني، وبمشاركةٍ من حزب "البديل لأجل ألمانيا"، ينشط أكثر لاعتبار وباء كورونا "مؤامرة"، مُسوقاً لفكرة أن هذه الخطوات "هي تعبيرٌ عن أن الوباء هو من بنات أفكار نخبة العالم الشريرة لإنشاء دولة بوليسية أورويلية (نسبة لجورج أورويل)، من شأنها أن تجعل الرايخ الثالث لهتلر يتلاشى"، وفقاً لما يستعرض أيقونة موسيقى الحماس لشباب اليمين المتشدد في ألمانيا، كين يبسن، على مواقع التواصل الاجتماعي.

في الواقع، يصعب إنكار أن شخصية يبسن تملك تأثيراً في التحشيد ضدّ ما يسميه "توحش الليبرالية الأوروبية"، وهو يعتبر في إطلالته على الجمهور، أن "الأطباء والممرضين هم كناية اليوم عن نخبة القوات النازية الخاصة، أس أس، والمشافي لا يطلق عليها تسمية معسكرات اعتقال، بل مستشفيات".

في مدينة شتوتغارت التي شهدت الأسبوع الماضي تظاهرةً ضد استمرار سياسة الإغلاق بسبب كورونا، على طريقة تظاهر بعض الأميركيين المؤيدين لليمين المتطرف والرئيس دونالد ترامب، صبّ الجمهور، وبتحميس من يبسن، غضبه على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وساسة المقاطعة، على الرغم من أن الوضع كان يتجه نحو تخفيف القيود المفروضة على السكان هناك، بشروط الحفاظ على النظافة والتباعد الاجتماعي.

ويذهب البعض إلى تفسير التحركات اليمينية المتشددة في الشارع الألماني، على أنها ليست تحركات للمطالبة فقط بـ"استعادة الناس لحياتهم"، كما تردد الهتافات والشعارات المرفوعة، بل بأنها "تستهدف النظام وطبقة النخبة السياسية التقليدية في الحكم"، أي ضد "الإدارة".



مؤامرة "حكومة العالم الخفية"
هؤلاء المتظاهرون، شأنهم شأن اليمين المتشدد في كثير من دول الشمال، بمن فيهم "جبهة مقاومة الشمال" الفاشية في اسكندينافيا، يرون أن وباء كورونا ليس سوى "مؤامرة من حكومة العالم الخفية". في نهاية الأسبوع الماضي، خرج آلاف الألمان إلى الشوارع للتنفيس عن غضبهم وإحباطهم، على خلفية تلك القراءة التي يبثها اليمين المتشدد. وشهدت برلين في ساحتها الشهيرة، ألكسندر بلاتز، مواجهةً، اضطرت فيها الشرطة لاستخدام رذاذ الفلفل الحار. ذات صورة الاحتجاج تكررت في ميونخ وفرانكفورت وشتوتغارت، ومدن ألمانية أخرى، حيث لم يرتدِ كثيرون كمامات واقية، لإظهار تحدّيهم للنظام الذي يحظر التجمعات الكبرى.

المثير في هذه التحركات "ضد المؤامرة"، أن كين يبسن ليس وحده من يُرّوج لها، ويحصل على مزيد من الشعبية بسبب الحديث عنها باستمرار، فهي نظريةٌ تنتشر بين مجموعات متطرفة يمينية والمعبرين صراحة عن كراهية اليهود والأجانب والمهاجرين عموماً، مثلما تنتشر بين صفوف بعض متطرفي اليسار والفوضويين. لكن الملاحظ أيضاً، أن حزباً سياسياً مثل "البديل" شارك فيها، وكذلك رئيس فرع حزب الليبراليين في ثورنغين، المثير للجدل، توماس كيمريش، والمتهم بالتقرب أكثر فأكثر من الحزب اليميني المتطرف "البديل لأجل ألمانيا". وكان هذا الحزب ساعد كيمريش بأصواته وأصوات ناخبي حركات متطرفة أخرى، للوصول إلى منصب رئاسة وزراء المقاطعة (ثورنغين)، قبل أن يُدفع قبل أشهر قليلة إلى خارج المنصب. وأثارت تحركات كيمريش إلى جانب اليمين المتطرف، غضباً واستياءً في صفوف الليبراليين، حزب "أف دي بي" (الحزب الديمقراطي الحر). فقد نقلت صحيفة "تاغشبيغل" عن عضوة البرلمان الاتحادي في الحزب، ماريا أغنيس ستارك زيمرمان، أن الرجل "لا يقوم فقط بالتقرب من البديل وتبني نظرية المؤامرة، بل يشاركهم (المتطرفون) أفكارهم المعادية والمقوضة للديمقراطية".

ويبدو أن وباء كورونا يدفع مجدداً أيضاً إلى الواجهة، حركة متطرفة مثل "بيغيدا" (وطنيون أوروبيون ضد الأسلمة). فمؤسسها لوتز باخمان، وجد في العداء للمهاجرين والإسلام فرصته ليعيد فرض خطاب حركته باستغلال كورونا وخوف الشارع، متحدثاً مراراً وتكراراً خلال الأسابيع الماضية عبر وسائل التواصل، خصوصاً من خلال منصة "يوتيوب"، حول "حاجة ألمانيا إلى إزاحة (المستشارة) ميركل". 

ويظهر أن الحملة المنظمة ضد النخبة السياسية الحاكمة وصلت إلى مستوى غير مسبوق، من حيث مشاركة رجال دين كاثوليك، في بلد بروتستانتي تهيمن فيه الكنيسة اللوثرية، في انتقاد النظام الذي يقوده حزب ميركل الديمقراطي المسيحي. فقد نشط بعض القساوسة الكاثوليك في حملة توقيعات لمهاجمة ما يسمونه "إجراءات غير ضرورية وتحد من حرية المواطنين التي كفلها الدستور، بما فيها حرية ارتياد الكنائس". بل والمثير أن نظرية المؤامرة، ونظرية تعرض الشعوب لحملة تآمرية، لم تغب أيضاً عن هؤلاء القساوسة الذين اعتبروا أن "نشر الوباء مقدمة لإنشاء حكومة عالمية غير مسيطر عليها، وهو ما يثير القلق"، وفقاً لما نقلت الصحف المحلية عن بيانات هؤلاء القساوسة، وقد اضطرت المؤسسة الرسمية الكنسية للكاثوليك، الهيئة العليا للقساوسة في ألمانيا (دويتشه بيشوفكونفيرينز)، للتنديد بهذه التصريحات.



وفي السياق ذاته، أشار تقرير متلفز لـ"دير شبيغل" بعنوان "بانورما"، إلى وجود وثيقة من 80 صفحة، يجري تداولها بين اليمين المتطرف في ألمانيا. وتركز تلك الوثيقة على أن "خطأ عالمياً يرتكب" في ما خص الوباء. والمثير في الأمر، أن الوثيقة المتطرفة كتبت على أوراق رسمية تعود لوزارة الداخلية الألمانية، وأنها وثيقة مسربة تقضي بأن "كورونا ليس خطراً". ويدّعي اليمين المتطرف الألماني أن موظفين في الداخلية "سرّبوا تلك الوثيقة لهم"، وأن "بعضهم جرى فصله من عمله"، وفقاً لما ذهبت إليه "شبيغل" في 8 مايو/أيار الحالي.

تحذيرات من التطرف
حملة "التمرد" على قوانين الحد من الوباء في ألمانيا، والتي أظهرت مشاركة طيفٍ من أصحاب الفكر اليميني المتشدد، بمن فيهم حزب سياسي شعبوي بحجم "البديل"، ويراه بعض الألمان "تمرداً على النظام السياسي واستغلالاً للظروف"، لا يبدو أنها تؤثر كثيراً في المستشارة ميركل، والتي لم يبق لها في الحكم سوى سنوات قليلة، مثلما لم تؤثر على حزبها، "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، وشقيقه البافاري "الاتحاد الاجتماعي المسيحي". بيد أنه، وعلى الرغم من استمرار أغلبية الشارع في دعم سياسات ميركل في حربها على وباء كورونا، إلا أن احتجاجات اليمين المتشدد واستغلاله للفيروس، تبث نوعاً من القلق بين ساسة برلين. فهؤلاء، ووفقاً لما تذهب إليه العديد من الصحف الألمانية، يشعرون بعدم ارتياح من تنامي سخط الشارع الذي يستغل المتشددون غضبه لتحقيق مكاسب، وهو ما عبّر عنه الأمين العام لحزب ميركل، بول زيمياك، في صحيفة "أوغسبرغر الغماينه"، البافارية. ورأى زيمياك أنه "من الواضح أننا نعيش بشكلٍ دائم في مواجهة أولئك المتشددين الذين ينشرون نظرية المؤامرة والأخبار الزائفة". واعتبر في 10 مايو/أيار الحالي، أن الحكومة "لن تسمح للمتطرفين باستخدام كورونا كمنصة للدعاية المناهضة للديمقراطية".

وتنتشر في ألمانيا، مع استمرار العدوى والوفيات، مخاوف من أن تؤدي سياسة إعادة الفتح، وإن بشروط، إلى تفاقم انتشار العدوى. واعتبرت ميركل أنه "من السابق لأوانه قول شيء معقول عن ذلك"، وذلك في معرض تعقيبها يوم الإثنين الماضي للصحافة عن الوباء، حيث استخدمت نحو دقيقتين فقط من حديثها، لتوجيه نداء إلى شعبها للحافظ على مسافة تباعد بين الأفراد وارتداء الكمامات.

وتدرك المستشارة الألمانية، وغيرها من السياسيين وعلماء الاجتماع، حجم الخطر الذي يمثله اليمين المتطرف في بلدها، والذين يقدر جهاز الاستخبارات الداخلي أعداد نواته الصلبة بأكثر من 12 ألفا و700 متشدد ممن هم قادرون على ممارسة العنف والقتل، كما حدث مع قتل السياسي الألماني فالتر لوبيك في 12 يونيو/حزيران الماضي، الذي أيد استقبال اللاجئين السوريين منذ 2015. هذا بالإضافة إلى العمل الإرهابي الأبيض قبل أشهر قليلة، والذي استهدف في هاناو مجموعةً من الشباب الألماني من أصول مهاجرة. وذكرت ميركل، في وقت سابق، أنه يتعين على ألمانيا "الكفاح بقوة ضد اليمين المتطرف الذي لا يزال يشكل تهديداً جدياً، ومحاربة التطرف لا يجب أن تكون تابو في المجتمع، ويجب اتخاذ الولايات الألمانية إجراءات صارمة ضد المجموعات الراديكالية".

الجدير ذكره أن مواقف اليمين المتطرف في ألمانيا تجد صداها في دولة مثل الدنمارك، حيث ردد المتشددون الشعارات ذاتها منذ مارس/آذار الماضي، وبحملات ممنهجة على وسائل التواصل وفي مجموعات مغلقة، مثل منصة "4 شان"، وفي بعض صحافة التشدد القومي، كصحيفة "كورت أفيزن" الإلكترونية. فالأخيرة رددت وتردد حتى اليوم أكاذيب وأخباراً مزيفة يتداولها معسكر التطرف لتحميل مجتمعات الهجرة، أي المواطنين من خلفيات غير غربية، "مسؤولية انتشار وباء كورونا"، عبر رمي أكاذيب عن أن "النسبة العظمى من المصابين "هم من الأجانب من غير أصول غربية"، وفقاً للغة التي تستخدمها الصحيفة. أكاذيب دحضتها دائرة مكافحة الأمراض السارية، وهي مؤسسة رسمية، عندما ذكرت في 13 مايو/أيار الحالي، أن نسبة الإصابة بين هؤلاء لا تتعدى 18 في المائة. لكن رغم ذلك، أبقى المعسكر المتشدد على حملته، مركزاً هذه الأيام على "إمكانية انتشار الوباء أكثر، حين تفتح المساجد أبوابها (يوم 18 مايو)"، وهو قرار يشمل كل دور العبادة، بما فيها الكنائس ومعابد يهودية وبوذية، إلا أن التركيز يجري فقط على المساجد.