ألف سلامٍ إلى بيروت

14 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
سافرت إلى لبنان عدة مرات، لحضور ندوات ومؤتمرات وورش عمل، وكان ذلك عندما كانت هناك إمكانية للسفر وحرية للتنقل داخل مصر وخارجها. وعلى الرغم من الجمال والسحر الذي يتمتع به لبنان، إلا أنه بشكل عام يختلف كثيرا عن مفهوم الدولة، كما نراه ونشعر به في مصر، فوجدت مثلا أنه من الطبيعي أن تنقطع الكهرباء عشرات المرات في اليوم، وأن المولّد الكهربائي من المكونات الرئيسية لأي منزل. أما الخدمات، فليست مسؤولية الدولة المركزية، فلبنان لا يعتبر دولة مركزية في الأساس بالنسبة لشخص قادم من دولة شديدة المركزية منذ مئات السنين. ومسؤولية الدولة في لبنان قليلة وضعيفة، وتكاد تكون معدومة في تقديم الخدمات، مثل الصحة والتعليم والعمل والمواصلات الداخلية، فمعظم تلك الخدمات هي مسؤولية الطائفة أو الحزب المسيطر على المنطقة، وليس الدولة المركزية. 
أتذكر أن الكل كان يشكو من عدم وجود ديمقراطية حقيقية. لم تقتصر الشكوى على مواطنين عاديين وسائقين وعمّال وباعة كنت أتجاذب معهم أطراف الأحاديث، بل كانت الشكوى تمتد إلى سياسيين ونواب وقياديين وصحافيين ونشطاء. الكل لا يعجبه نظام الحكم، والكل أيضا لا يستطيع الاستغناء عنه. شباب كثيرون أيضا كانوا يتمنّون حدوث ثورة شبيهة بثورتي مصر وتونس في 2011، ثورة تزيل النظام الطائفي في لبنان، وتقيم ديمقراطية حقيقية، بعيدا عن نظام المحاصصة العقيم الذي يطلق عليه أحيانا ديمقراطية توافقية. أتذكر أيضا في أحد الأيام أنني حاولت ركوب سيارة أجرة في بيروت من منطقة الحمرا حتى الضاحية الجنوبية، فرفض سائق التاكسي استكمال المشوار، خوفا من مضايقات أنصار حزب الله. وكم شهدت مناوشات في شوارع بيروت بين أنصار شباب بعض الطوائف والأحزاب التي تتقاسم النفوذ في شوارع بيروت.
انطلقت شرارة الاحتجاجات المتصاعدة في لبنان، أخيرا، مع بدء إجراءات لزيادة الضرائب. وقبل ذلك، هناك تراكمات كثيرة ناتجة عن حكومات فاشلة غير قادرة على حل المشكلات المتراكمة 
منذ عقود، بالإضافة إلى حالة الجمود السياسي منذ سنوات طويلة، نتيجة استخدام آلية الثلث المعطل في الحكومة، ولتعطيل تشكيل حكومات مناسبة، أو اختيار رئيس الجمهورية، فدائما هناك اتفاقات وتربيطات وتعقيدات طائفية وتدخلات إقليمية تعرقل أي تغيير أو إصلاح في لبنان. ولذلك بدأت الاحتجاجات بالاعتراض على زيادة الضرائب، وعلى الفسادين، الإداري والسياسي، ولكنها تصاعدت لتصل إلى مناهضة النظام الطائفي والمحاصصة الموجودة، والتي تعيق أي محاولةٍ للإصلاح.
ومشكلة لبنان ليس مجرد أن النظام الحاكم ديكتاتوري أو فاشل، ولكن الأزمة الأساسية في ذلك مكونه الطائفي منذ انتهاء الحرب الأهلية. وللأسف، هناك في لبنان والدول العربية من يدافع عن استمرار النظام الطائفي، مبرّرا ذلك بأن البديل حرب أهلية جديدة. يذكّرنا ذلك بمن يردّدون في مصر أن المطالبة بالشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسان ستجعل مصر مثل سورية واليمن والعراق. ولذلك لا بد من الحفاظ على النظام بكل المساوئ.
وتعود جذور النظام الطائفي إلى بدايات ظهور دولة لبنان، بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية وبدء الانتداب الفرنسي على منطقة الشام، فكان ذلك النظام منذ ثلاثينيات القرن الماضي الذي كان بمثابة نظام توافقي بين المسلمين والمسيحيين, ولم تفلح محاولات عديدة لتغييره، وإقامة نظام حكم يقوم على المواطنة، ولكن الحرب الأهلية الشهيرة حدثت، وكانت لها أسباب وتراكمات عديدة، إلى أن كان اتفاق الطائف عام 1989، والذي يتم تصنيفه أحيانا بشكل من الديمقراطية التوافقية، ولكن النظام في لبنان على صفيح ساخن، حتى بعد توقيع اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية منذ ثلاثين عاما.
الطائفية كالديكتاتورية، لا بد من هزيمتها في العقل والمخيلة أولا، حتى نستطيع هزيمتها على أرض الواقع. هكذا كان يقول دوما صديقي علاء المسجون حاليا مرة أخرى. وهذا ما رأيناه في مصر ودول عربية أخرى عديدة، فعندما تكون مخيلات الناس غير قادرة على تخيّل إمكانية التغيير يوما ما، يصبح التغيير أصعب بكثير.
ومثلما كان لأنظمة الرجعية في السعودية والإمارات دور كبير في إفشال الثورات العربية وإفسادها في بلادنا وموجات 2011، ها هي إيران تقوم بدور مماثل بغرض حماية نفوذها في لبنان والعراق، فالنظام الطائفي والمحاصصة هو جوهر المشكلة في تلك البلدان. أحيانا أتعجب من هؤلاء المناصرين لإيران في بلادنا العربية، على الرغم من كل ما ترتكبه من جرائم في 
بلادنا تحت شعارات برّاقة، فها هي تحاول إفساد الحراك الشعبي في لبنان. وكانت مضحكة محاولات الترهيب التي قام بها الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، وحديثه عن التمويل الأجنبي والأجندات، وهو يعتمد على التمويل الخارجي والتسليح الإيراني. يذكّر حديث نصرالله هذا بحديث أنصار السلطوية في مصر، وكذلك الناصريين وبعض الشيوعيين الذين يتهمون كل من يخالفهم بتلقي تمويل أجنبي وتنفيذ أجندات غربية، في حين كان بعضهم يعتمد في يوم من الأيام على الاتحاد السوفييتي أو أحزاب اشتراكية قديما، أو يعتمد بعضهم حاليا على مساعدات إيران تحت شعار دعم المقاومة ومواجهة "الإرهاب الوهابي"، ولذلك تكون نظريات المؤامرة دوما اللغة المشتركة بين كل أنصار السلطوية، مهما اختلفت أيديولوجياتهم.
كان خطاب حسن نصرالله معتادا ومتوقعا بشكل كبير. حاول، في البداية، تشويه الحراك وإلصاق تهمة التآمر والمخططات، ثم بشّر بالخير القادم على يد إيران، بعد اكتشاف آبار نفط إيرانية جديدة، وبعد انتصارات المجاهدين الحوثيين. ولكن يبدو أن ذلك الحديث المتكرّر لم يُحدث التأثير المطلوب، فقامت مليشيات أنصار حزب الله وحركة أمل بإرهاب المتظاهرين، وتكرّر مشهد حشود أنصار السلطة لإظهار التأييد وللدفاع عن النظام إلى آخر لحظة.
يبعث شعار "كلّن يعني كلن" في تظاهرات اللبنانيين على الإعجاب، فعدد لا بأس به من السياسيين الذين تسببوا في الأزمة حاولوا ركوب الموجة، والتظاهر بمساندة الاحتجاجات، ومطالب مكافحة الفساد، ولكنهم تناسوا وتجاهلوا أنهم جزء من الأزمة، وليسوا جزءا من الحل، فإن كان نصرالله ونبيه بري وسمير جعجع وجبران باسيل يتحدثون عن التغيير، فمن الذي تسبب في تلك الأزمات؟ وإذا كانوا قد تحمّسوا لمطالب محاربة الفساد، فمن الذي تسبّب وحافظ على ذلك الفساد طوال تلك الأعوام؟
ويذكّر مصطلح "قلة تهذيب" المتظاهرين الذي أطلقه سياسيون لبنانيون بما قيل في مصر في بداية انطلاق التحرّك الشبابي عام 2008، وكذلك بما صار يقال، بعد ثورة 25 يناير في عام 2011، فالسياسيون التقليديون من السلطة أو المعارضة ينزعجون من النقد الحاد أو الأساليب الشبابية الساخرة، وما يصاحب ذلك من ألفاظ، ولكن تلك الأساليب الساخرة، والتي يعتبرونها غير مهذّبة تكون الأسلوب المهذّب للرد على صفاقة السلطة وبجاحتها، كما أن قلة التهذيب المسالمة في مواجهة السلطة أفضل بكثير من العنف المهذّب. كتب مدوّن لبناني "نعم نحن غير مهذبين في مواجهة الفساد المهذب، فهل قابلت يوما فاسدا إلا ووجدته يتخفّى في وجه مهذب؟".