ألعاب "الزمن الجميل" في المغرب

ألعاب "الزمن الجميل" في المغرب

03 فبراير 2017
الصورة
تستعدان للركض (فاضل سنا/ فرانس برس)
+ الخط -
في حيّ شعبي في إحدى ضواحي مدينة الرباط، يسير الحاج سلام. هذا الخمسينيّ يسكن الحيّ منذ سنوات طويلة، حتى أصبح قادراً على ملاحظة أيّ تغيير يطرأ عليه. يراقب أطفالاً يلهون بالألعاب الإلكترونيّة، ويأسف لأنّ أيام زمان انتهت بتفاصيلها الحلوة والجامعة، حين كان الأطفال يلهون بألعاب لم يبقَ منها اليوم إلا اسمها، من قبيل "الطرومبية" و"البيناك" و"شريطة" و"كاش كاش" و"حابا". يقول إنّ "أطفال العصر الذهبي اعتادوا الصراخ والركض واللعب في مجموعات أو بمفردهم، وأحبّوا تلك الألعاب الشعبيّة الجميلة التي تختفي شيئاً فشيئاً نتيجة الحياة السريعة وانتشار الأجهزة الإلكترونيّة التي حوّلت أطفالنا إلى مستهلكين للتكنولوجيا. فابتعدوا عن الحركة".

ما زال الحاج سلام يذكر لعبتَي "الطرومبية" و"البيناك". ويخبر أنّ "الأطفال كانوا يلعبون الطرومبية في فصل الخريف، تزامناً مع الدخول إلى المدرسة. أمّا لعبة البيناك، فكان لعبها يكثر عادة في فصل الربيع". ويعبّر عن أسفه "لاختفاء هذه الألعاب التي كان الأطفال يبدعون فيها، في وقت كان آخرون يتجمّعون حولهم للتفرّج عليهم. اليوم، الأطفال يفتقدون لهذا الفرح الجماعي، وقد اكتفوا بهواتفهم الذكيّة".

و"الطرومبية" تتألّف في الأساس من قطعة خشبيّة ذات شكل مخروطي مع مسمار في رأسها، يلفّها الطفل بخيط ويرميها في اتجاه الأرض ثم يشدّ الخيط في يده، فتدور القطعة الخشبية بسرعة. والرابح بين الأطفال هو الذي تدور قطعته لوقت أطول من الآخرين. و"الطرومبية" تعني الخذروف، وتُصنَع من الخشب أو من المعدن أو البلاستيك، وتدور على مسمار حديدي.

تسمّى أيضاً البكرة أو النحلة أو الدبّور، وذلك للدلالة على صوتها الذي يشبه أصوات تلك الحشرات. هي لعبة قديمة جداً، وقد عرفها أطفال اليونان والصين واليابان خلال القرن التاسع عشر. أمّا "البيناك" فهي تتألّف من كريات زجاجية صغيرة مختلفة الألوان، يستطيع أن يلعب بها طفلان أو أكثر. وعلى كلّ واحد من اللاعبين أن يصيب كريات الآخر، باستخدام أصبعَين فقط.

إلى هاتَين اللعبتَين، تأتي "الشريطة" الخاصة بالفتيات. خلالها، يعمدن إلى رسم مربّعات كبيرة بالطباشير على الأرض، ويتعيّن على الواحدة منهنّ ركل حجر صغير بقدمها ودفعه من دون أن تخرج عن حدود كلّ مربع. ومن الألعاب التي كانت تفضّلها الفتيات أيضاً، لعبة "الحبل".

خلالها، تقفز فتاة فوق حبل تبرمه لاعبتان أخريان. ويتعيّن على اللاعبة القفز فوق الحبل بمهارة ومن دون لمسه. كذلك، كانت لعبة "العشيشة" الخاصة بالفتيات الصغيرات اللواتي يتقمّصن دور ربّات المنازل. فيخترن مكاناً في الحيّ ويضعنَ بساطاً صغيراً على الأرض، ويفرشن المكان ببعض الأدوات، منها أواني المطبخ. وعندما ينتهينَ، يحملنَ دُماهنّ وعرائسهنّ الصغيرة كأنهنّ بناتهنّ.

أمّا اللعبة التي كانت أكثر شيوعاً بين أطفال المغرب، فهي "الغميضة" أو "كاش كاش" باللغة الفرنسية. وهي تقضي بأن يغمض أحد اللاعبين عينَيه بشريط أو ما شابه، ويبحث عن رفاقه المختبئين. وإذا عثر على أحدهم، تعصب عينَيّ هذا الأخير ويبحث بدوره عن اللاعبين الباقين.
ومن ألعاب زمان التي ما زال بعض الأطفال يلعبونها اليوم في المجتمع المغربي، لعبة "القيوش". خلالها، يتنافس لاعبان أو أكثر، فيرمي الطفل خمسة أو ستة أحجار صغيرة جداً في الهواء، وعليه أن يتلقفها بيده دفعة واحدة. وإذا سقط حجر واحد منها، فإنّه يخسر وينتقل الدور إلى زميله.

في هذا السياق، تقول الباحثة الاجتماعيّة ابتسام العوفير لـ "العربي الجديد"، إنّ "الألعاب القديمة تتّسم بخصائص عدّة، منها التفاعل بين الجماعة. فلعبة مثل شريطة أو الحبل، تشترط وجود مجموعة من الأطفال، ما يساعد على بناء الشخصيّة الجماعية لدى الصغار". تضيف أنّ "أهميّة هذه الألعاب تكمن كذلك في الجهد البدني الذي يبذله الأطفال، بالإضافة إلى التسلية والفرجة والارتباط بالأرض والطبيعة والبيئة". وتتابع أنّ "بعض الألعاب مثل الطرومبية والغميضة تتطلب الركض، وتساعد الأطفال على اكتشاف محيطهم القريب".

وتلفت العوفير إلى أنّ "الألعاب اليوم تغيّرت بصورة كبيرة بالمقارنة مع ألعاب الزمن الماضي، نتيجة التأثّر بتطوّرات العصر والتكنولوجيا. فبات الطفل يفضّل الأجهزة الإلكترونية الحديثة التي تتيح له اللّعب وحده، والتي لا تتطلّب بذل مجهود كبير". وتشدّد على أنّه "وإن كانت لهذه الألعاب إيجابيّات عدّة، إلّا أنّها لا تساهم في بناء الشخصيّة ولا تحفّز على اللعب الجماعي".

دلالات