ألعابهم تحت الأنقاض... أطفال سورية كانوا هنا

ألعابهم تحت الأنقاض... أطفال سورية كانوا هنا

سهى أبو شقرا
05 مارس 2018
+ الخط -
صور ولقطات لا تعدّ ولا تحصى توثّق الحرب الدامية في سورية، تنقل لنا ما يحلّ بالناس والأماكن. دمار وخراب وموت ومصابون وأطفال يصرخون من الرعب والأذى. بعضها ينقلنا إلى عالم الصغار، فمن صورة دمية تحولت إلى أشلاء تحت الأنقاض، نعرف أنهم كانوا هنا. أو صورة طفل في مخيم أو ملجأ يحتضن لعبته تجعلنا نتمنى أن يتحرر من تلك الظروف وينتصر على الحرب ويبقى حياً.

لا يتيح الوقت عند الهرب نحو الملجأ أو ترك المدينة أو القرية، حمل ما يهمّ الطفل ويتعلق به، فالحرب غدارة والموت يتربص بالناس. وينشغل الأهل بإنقاذ صغارهم وأخذ ما يلزم إذا تمكنوا من ذلك، لذلك تترك الألعاب والدمى لأنها ليست من الأولويات.

أربعة أطفال من كل عشرة في سورية غادروا منازلهم، إما أنهم لاجئون أو نازحون. ستة ملايين طفل يحتاجون إلى المساعدة داخل سورية، أي ثمانية أطفال من كل 10 تقريبا. 2.8 مليون طفل يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها، و280 ألفا منهم في مناطق محاصرة، وذلك بلغة الأرقام التي أصدرتها منظمة "يونيسف" عن عام 2017. لكن عند رؤية تلك الأعداد صغاراً يحتاجون إلى ما هو أكثر من الطعام والماء والمأوى، تبدو الكارثة أكبر من القدرة على استيعابها، عند إدراك آثار ما يجري على صحتهم النفسية والعقلية وليس العضوية فقط.

ونسأل هل الدمى والألعاب لها دورها في الحروب، أم أنها مجرد أشياء جميلة تصلح لأوقات الترفيه فقط؟

الألعاب والدمى... استقرار في عالم متغير

اللعبة ليست ترفاً على الدوام، حتى في أوقات الأزمات والحروب، خصوصاً تلك التي باتت جزءاً من يوميات الطفل. فمن يجبر قسراً من الصغار على ترك بيته ومستقره مخلفاً وراءه لعبة أو دمية عزيزة عليه، لا يخسر مجرد شيء يمكن استبداله بآخر لو سمحت الظروف، بل يفقد سنداً عاطفياً يمنحه الشعور بالاستقرار. وما أحوج الأطفال النازحين والهاربين والمختبئين في الملاجئ تحت القصف إلى أي تفصيل يشعرهم بالإلفة مهما كان صغيراً.

نورا في مخيم للاجئين صنع لها والدها دمية من خشب(فيسبوك) 



وتشير البحوث إلى أن الأطفال الذين حُرموا من ألعابهم التي تربطهم بها روابط عاطفية، غالبا ما يكونون أكثر عرضة للاضطرابات المرضية. ويشير الاختصاصي في تنمية الطفل، الأميركي كولين غودارد، في موقعه الإلكتروني المتخصص، إلى أن استخدام الطفل لتلك الدمى والألعاب وأن تكون متاحة له وموجودة أمام نظره، تساعده على تعزيز الترابط بينه وبين الكبار ومع الأطفال الآخرين.

ويوضح غودارد أن الدمية أو اللعبة التي يختارها الطفل لنفسه وتصبح لها مكانة مميزة لديه تصبح بالنسبة له مصدراً للراحة والعزاء، وتمثل له عالماً مستقراً ويمكن التنبؤ به. ويشرح الأمر بالقول إن "الدمى والألعاب المختارة، والتي يتعلق الطفل بها من دون سواها، تحافظ على توازنه الداخلي، لأنها ثابتة ولا تتغير، كما كل شيء في الحياة من حوله، فثبات الدمية على ما هي عليه تمنحه الاستقرار في يومياته وحياته".

تحتضن دميتها وتجلس أمام بيتها وسط الدمار بعربين بضاحية دمشق(بسام العربيني/رويترز) 




مصدر الأمان والراحة

عندما يترك الأطفال بيوتهم هرباً من الخطر، تصلهم مشاعر القلق والخوف والرعب مهما كانوا صغاراً. وعند وصولهم إلى مكان غريب للمكوث فيه ولو مؤقتاً، بعد مشقة النزوح أو الهجرة إلى بيئة مختلفة تماماً عن منزلهم ومحيطهم السكني المألوف، وسط ظروف دراماتيكية وحروب ونزاعات مسلحة، فإن أعراض الاضطراب والقلق وقلّة النوم تصيبهم أضعافاً مضاعفة، عمّا لو كان الانتقال قد حصل في ظروف عادية.

فهل لوجود اللعبة العزيزة على قلب الطفل دور في مثل تلك الأحوال، وهل يستحق الأمر أن تكون من بين الأشياء التي تحملها الأسرة معها وقت المغادرة القسرية للمنزل؟

الأستاذ في اللعب الجماعي في جامعة ليدز بيكيت البريطانية، فريزر براون، يقول في كتاب له بعنوان "اللعب واللعب الجماعي" أصدره عام 2014، إن "الأطفال يتعلقون بلعبهم لأسباب عدة، منها أنها مألوفة بالنسبة لهم، وتشعرهم بالأمان، ووجودها يعطيهم الراحة في حالات عدم اليقين والخطر، توفر الطمأنينة لهم عند انفصالهم عن أحد أفراد الأسرة". وانطلاقاً من ذلك، يصبح من المؤكد أن حالة الحرب هي حالة خطر وعدم يقين، لذلك يحتاج الأطفال إلى أي عنصر إضافي يوفر لهم الراحة والاطمئنان، والدمى والألعاب هي إحداها.

فتاة على دراجتها وسط الدمار في حمص عام 2013(طاهر الخالدية/رويترز) 

كتلة مشاعر وحياة

يعتبر الخبراء في عالم الطفولة أن الألعاب والدمى بالنسبة للأطفال ليست مجرد أشياء ألفوا وجودها أمامهم ومن حولهم، بل إن علاقتهم بها مزيج من الألفة والعاطفة. ويركز بعضهم على أهمية القديم منها التي سبق للطفل أن بنى علاقة وثيقة بينه وبينها. لكن مئات آلاف الأطفال في سورية غادروا منازلهم، منذ مارس/آذار 2011، ولم يعودوا حتى اليوم، تاركين أسرّتهم وملابسهم وحقائبهم المدرسية وحتى ألعابهم. لكنهم في حقيقة الأمر لم يتركوا أشياء جامدة يمكن تعويضها، بل تركوا أجزاء من عواطفهم وحياتهم.

وفي دراسة أعدها باحثون في جامعة بريستول البريطانية، ونشرت عبر موقع Science Direct في يناير/كانون الثاني 2015، أوضحوا فيها أن علاقة الطفل بالدمية لم تكن ببساطة بسبب الألفة، أو ارتباطهم بها كشيء محسوس معلوم الملامح والشكل لديهم، وإنما ارتباطهم العاطفي بها جنباً إلى جنب مع ميزاتها الأخرى.

طفلة سورية نازحة بأعزاز تمسك دميتها(زين الرفاعي/فرانس برس) 


وعن تفضيل الأطفال ألعابهم القديمة، بيّنت دراسة أصدرتها جامعتا بريستول البريطانية وييل الأميركية عام 2007، أن الأطفال يعتبرون أن ألعابهم القديمة التي اعتادوا عليها فيها حياة، بمعنى أن الطفل يعطي اللعبة صفات الإنسان ويعتبر أن لديها مشاعر. وخلصت إلى أن الطفل يدرك تماماً أن لعبته من الأشياء وليست كائناً حياً مثله هو، بل يوحي لنفسه بأنها تشاركه في كل ما يقوم به، يمكنه أن يتحاور معها ويأخذها معه أينما ذهب.





وأشارت الدراسة التي استندت إلى تجارب واختبارات عملية عن علاقة الأطفال بألعابهم، إلى أنه بالإضافة إلى الخصائص المادية لألعابهم القديمة هناك خصائص تميزها لا يجدونها في أي لعبة جديدة. ورأت أن الطفل يدرك بحدسه جوهر الشيء القديم حتى لو لم يتمكن من تفسيره.

يتركز الدعم في الحرب على الأولويات، وهذا أمر طبيعي، فالغذاء والدواء ومستلزمات العلاج هي الأساس لبقاء الإنسان على قيد الحياة. لكن تأتي بعض المبادرات وحملات الدعم لتوفر لأطفال أنهكتهم الحروب لعباً ودمى، على أمل أن تكون داعماً عاطفياً لهؤلاء الصغار، فليس بالخبز وحده يحيا الأطفال.

ذات صلة

الصورة
في مخيم القاهرة (العربي الجديد)

مجتمع

يعاني النازحون من ريف منطقة معرة النعمان، جنوبي إدلب، إلى منطقة الشيح بحر في مخيم القاهرة في الريف الشمالي الغربي للمحافظة، من جراء ارتفاع درجات الحرارة، علماً أن كثيرين يعيشون في خيام ممزقة.
الصورة

مجتمع

قالت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، اليوم الإثنين، إنّ هناك أطفالاً وكبار سنّ في العراق يعتاشون على نبش المُخلّفات والنفايات الموجودة في مواقع الطمر الصحي، وسط بيئة ملوثة، مطالبة الحكومة بتحسين الواقع المعيشي للعراقيين.
الصورة
شيءٌ من الفرح لأطفال دمّر الاحتلال منازلهم في غزة

مجتمع

نظمت رابطة "فلسطين تنتصر" الفرنسية بالتعاون مع شبكة صامدون، اليوم السبت، نشاطاً ترفيهياً تضامناً مع الأطفال الذين هدم العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة بيوتهم، وشارك عدد من أطفال بيت لاهيا، شمالي القطاع، في النشاط.
الصورة
من دار الأيتام إلى رسام مبدع.. هذه حكاية محمد خالد

مجتمع

تركته والدته بعد فترة الرضاعة في دار للأيتام، ثم انفصل الطفل وقتها، محمد خالد، عن الدار في سن العاشرة من دون أن يكون له مأوى سوى الشارع. لكنه تحدّى ظروفه، وجمع تكاليف دورات تدريبية في الرسم، حتى أصبح اليوم مبدعاً.

المساهمون