ألسنة لا تصان

02 أكتوبر 2019
الصورة
ماذا سيقولون عنها؟ (هيلين باراغلو/ Getty)
مهما ظننتَ أنّك رتّبتَ كل شيء في حياتك، تحديداً في لبنان، ستُدرك أنك مخطئ. ليس فقط لأن المواطن ما زال يطالب بخدمات أساسية تتقاذفها الأطراف السياسية بعضها بين بعض منذ سنوات طويلة، وكأن لا قيمة لها، وليس لأن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً، حتى إن كثيراً من العائلات، التي لم تتوقع يوماً أن تواجه مصيراً مماثلاً، باتت تضطرّ إلى نقل أطفالها من مدارس خاصة إلى مدارس رسمية. هؤلاء أنفسهم كان لديهم من الملاحظات ما يكفي حول هذه المدارس. لكنّها الحياة.

وليس لأن شراء المنزل والتقسيط على مدى 30 عاماً هو أمر لا مفرّ منه خشية من عدم وجود أي مأوى في المستقبل الذي يشكّك في أن يكون قادراً على تأمين حقوق الأفراد، وحتى كبار السن. وليس لأنه يجب الادخار حتى لا نضطر إلى مدّ أيدينا إلى الآخرين في "اليوم الأسود".

بعيداً عن كل هذا، ثمّة مشكلة يومية يمكن أن تتكرّر في أية لحظة نقابل فيها أشخاصاً. نحن، في كل هذه اللحظات وغيرها، عرضة لوابل من الأحكام. الثياب التي نرتديها، الوجه المتعب أو السعيد الذي نحمله، الطريقة التي نمشي فيها ونجلس فيها. كيف نتصرف مع المجموعة؟ ولماذا نصمت؟ ولماذا نخاف من المستقبل؟ ولماذا نرفض تناول الحلوى أو نتبع نظاماً غذائياً؟
مجموعة من الأسئلة والأحكام تحرمنا حقّنا في التطلّع إلى أنفسنا كما نحب. وعلى مرّ السنوات، نصير أشخاصاً من أحكام تراكمت فينا حتى نسينا من نكون. وفي كثير من الأحيان، لا نجد مساحة كافية للتعرّف إلى أنفسنا. فمنذ اللحظة التي نولد فيها، نربّى من قبل أهلنا على صورة يريدونها لنا، ثم يتولّى المقرّبون منا أدوارهم، ثم المجتمع، لنصل إلى حدّ التخمة. أليست معرفتنا لأنفسنا حق؟ أليس من حقّنا أن نعرّف الآخرين علينا من خلالنا نحن فقط، بعيداً عن كل التأثيرات الخارجية؟

هذا حق لا يمارس في لبنان أو في دولنا العربية. كيف تُنسج آلاف القصص حول شخص واحد، حتى يكاد هو نفسه يصدقها. ما من أي احترام للخصوصية. والخصوصية لا تعني الأخبار الشخصية جداً فحسب، بل أي تفصيل بدءاً من المظهر الخارجي وصولاً إلى أدق التفاصيل.




ما نرغب في أن نكون عليه هو خصوصية يجب أن تصان، سواء اخترنا عدم ارتداء الجينز لموقف سياسي، أو التوقف عن تناول اللحوم البيضاء والحمراء. هذه حقوق مصانة إلا من ألسنة الناس، التي تسأل وتسأل. والإجابات لم ترضها، فتعيد صياغة القصص على طريقتها. إنه بلد الألسنة القاسية.

دلالات