ألبير قصيري... الكسل يعانق النزاهة

ألبير قصيري... الكسل يعانق النزاهة

09 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
الكاتب النزيه عملةٌ نادرةٌ في بلادنا. كان ألبير قصيري يحبّ أناسا شبه معدمين، لا اشتهروا ولا كانوا يوما نجوما، ولا حملوا جوازات سفرٍ أجنبية، ولا جاوروا السفارات. كانت كتابته مصريةً صافيةً بلا علم ولا رئيس ولا حزب ولا طنطنة. كتابة مصرية بلا زوائد. لأبطاله خرافاتهم الخاصة عن العالم وعن أنفسهم، وأغلبهم من مقاطيع الحارات الضيقة، حتى وإنْ حصلوا على الدكتوراه وزهدوا في العالم، وكأن أبطاله قطعة من روحه، رماها عامدا في بنسيون مهجور، أو غرفة فوق السطوح لمغنيةٍ أدمنت ما بين الحربين. 
يخرج أبطاله من بيوتهم المليئة بروائح الدجاج إلى نور مقهى صغير سهران بالقرب من محطة مصر، وفي أزقّتها الفقيرة، وكان لصاحبة المقهى وشم، ولزوجها ساقٌ من خشب، ولا تعرف من أين جاء. الحروب غريبة، علّ هذا الزوج جاء من حرب، وألبير أكثر غرابةً من الحرب، والكتابة كذلك تختارهم بحرص. الرجل يجلس على كرسيّ مكسور، ويلعب في عمامةٍ لا هي صعيدي ولا بحراوي، لماذا دائما يختار الغرباء المقهى لتسابيحهم الخاصة وجنونهم وضحكهم.
الرجل يأخذ في لفّ سيجارة من علبة صفيح ويكحّ، و"يتف" بلغما خلف الكرسي فوق أخشاب قديمة مرمية من سنواتٍ في المقهى، فتنظر له زوجته وتتحسّس المفاتيح المربوطة في آخر عقوصها.
كان ألبير قصيري وكأنه هناك يشرب الشاي بجوار شجرة ياسمين بالفجالة أو حتى خلف هذا المقهى، منتظرا صديقا له وقد عاد من عمله الاختياري بالواحات، بعدما ترك التنظيمات اليسارية في الأربعينيات، وطلق زوجته وتفرغ لمناجم الرخام. ما الذي أغرى ألبير قصيري بهذا (الهم الطري)، أما كان له أن يظل في مكانٍ جميلٍ يكتب عن شجرة الحناء في الفجالة أو الياسمين في المعادي، أو ذلك النُّزل الإيطالي الذي اهتدى إليه في إيطاليا في ريعان شبابه، أو حتى يهتم ويحصل على جواز سفر، بديلا عن جوازه القديم حتى بعدما مات جمال عبد الناصر.
الكتابة، ذلك الحلم الذي يأخذنا إلى غير مكاننا، وحتى غير شهواتنا وسامِرنا، ثم يغلق علينا بمفتاحين، ويتركنا بجوار مقهى غريب، وكأننا ولدنا في هذا المقهى، من دون أن ندري، وكأنه ذلك المقهى الذي تديره المرأة التي تشبك المفاتيح في آخر عقوصها. لماذا رمانا ألبير قصيري من الفجالة إلى ذلك المقهى. الكتابة ترمي بنا هكذا، بلا حتى إرادةٍ منا أو حتى منها.
الكتابة كسولة جدا مثل ألبير قصيري، ولها غرفة واحدة، ونيّة واحدة، وجواز سفر، خاص بها، وحيد وقديم وأثير على الروح. هل كان ألبير قصيري يخطّط ذهنيا لذلك كله، أم كلها مصادفات روحية، مثل مصادفة أن يلتقي ذلك الرجل، مقطوع الساق، بتلك المرأة صاحبة المقهى، أو كتلك المفاتيح التي صارت صديقةً تلك المرأة في آخر عقوصها. هكذا الكتابة ترمينا مرة في غابة من دون أن نعرف السبب، فالكتابة لا تقول لنا أي سبب، فنزهد فيها، حتى وإن كتبنا، نزهد في (مُحنها) بضم الميم، وبضاعتها وبخورها وكهنتها ونقادها وتجارها وجرائدها، كما فعل سالينجر.
لا نحن ولدنا هنا، ولا حتى نحب خشب الغابة، ولا حتى طيورها، ولا حتى تلك الدجاجة التي رآها ألبير قصيري، حينما ذهب مع صديقه إلى بيت كي يُدخِّنا (الكيف) في زقاق بالقرب من محطة مصر، وظلت دجاجةٌ في غرفة صغيرة تطل إليهم، وكانت روائح الدجاج تملأ المكان الضيق مع الدخان، وكان صديقه قد طلّق زوجته، وبدأ يفكر في ترك السياسة، وبدأ مهووسا بالمحاجر.
جلس ألبير وصديقه، ولم يتفقا على شيء أبدا، ولم يتحدّثا في أمر السنوات التي مرّت، أو كأنها مرّت. كان الوقت مثل الرخام تماما، إلا من يمامةٍ حطت على شجرة ياسمين، كانت في مقهى زجاجي بالفجالة. تأملها ألبير قليلا، ثم سلّم عليه صديقه من غير وداع، ذاهبا إلى عمله بالمحاجر.