أكذوبة اسمها الوطن

أكذوبة اسمها الوطن

05 ابريل 2018
+ الخط -
"نحب الوطن"، "ننتمي إلى هنا"، "نحارب من أجل سيادة الوطن ونحمي ترابه"... بمثل هذه الشعارات وتلك يتعمق شعور الوطنية في داخلنا، ونفتح مجالات أو ربما نغلقها ليكون هذا الشعور ملاذنا لتركن إليه ذواتنا في بحثنا عن غاية وجودنا وماهية انتمائنا.

ولكن هل فعلاً نحتاج إلى هذه المناطق المسورة من الأرض لنبقى داخلها، وهي على صورة حظائر نمنع عنها كل غريب، إن كان فعلاً غريباً، ونحاربه ونشعره بالاختلاف أو نعامله بفوقية ونمن عليه أن استقبلناه كلاجئ أو منفي؟

ربما كانت الحاجة الداخلية فينا كبشر إلى وجود إله أو قوة أعلى، كما يطلق عليه في بعض الثقافات، مبررة بسبب جهلنا وحقارتنا أمام الكون مترامي الأطراف، ويكون الخالق المعبود جواباً يحيلنا إلى الطمأنينة التي تجعلنا نمضي قدماً لننشغل بما يقيم أود يومنا ويفتح المدى للبحث ومناقشة ما نلحظه ونكتشفه في الكون حولنا وداخلنا.


أما الحاجة للانتماء إلى كيان معين من صنع البشر أنفسهم نتج عن قتل أو نزاع أو تسويات أو بيع أو استعمار أو استثمار أو حتى استقلال، كما يسمى في بعض هذه الدول، فلا أرى داعيا لوجوده بل هو وهم نتج عن خلط مفاهيم الحنين والعاطفة والعودة إلى العشيرة والقبيلة والبقاء معها؛ في حين أن كثيراً من هذه البلدان تقمع باسم الحرية أو تقتل باسم التحرير أو تحارب باسم التحرر، وفي كل هذا من المزايدات الرخيصة على حياة الفرد ما يبعث على الأسى، حتى من يقال إنهم يقتلون باسم الله فسوف تجد بسهولة أنهم يروّجون لفكرة الارتباط بالوطن ليبرروا فعلهم هذا وإلا لن ينجحوا في تحقيق مرادهم.

فلننظر إلى الأمر من وجهة نظر الفرد هذا الذي تم إقناعه بأن يخسر حياته مقابل أن ينعم غيره بحفنة تراب! يخسر حياته الوحيدة والغالية التي لن تتكرر وينتهي وجوده مقابل أن تظل الدولة قائمة؟ أية عبثية هذه وأي فخر في هذا... هذا بدون التطرق إلى أهداف أقل بكثير من استمرارية الدولة من قبيل الثورات الشعبية الداخلية وبعض الحركات التحررية والتصحيحية داخل نفس الكيان.

حين يصبح الانتماء إلى وثيقة أو بها، حين تتحزب داخل أسوارك وتقتل كل دخيل أو يتم قتلك لأنك دخيل، حين تزداد الحواجز على الرغم من تقارب الخطى، وتبتعد المسافات كلما ذابت الفواصل بفعل العولمة وثورة المعلومات، حين تحمل وسم دولة معينة ويطلق عليك "مهجر" وتظل مشرداً بحكم قوانين لا دخل لك بها، وحتى حين تقبل في وطنك رعايا وطن آخر وتظل تتشدق بقبولهم وأنك إنساني وتشعر بالآخر على الرغم من أن هذا التصرف فيه كل التفرقة والتعالي والازدراء لأنك سمحت لنفسك بادئ الأمر أن تتحكم في مصير إنسان وتقرر عنه؛ حين يحدث كل هذا وتحاول إقناعي بأنك وطني وأن الأوطان وجدت لحماية الشعوب وأن الأرض بسليقتها لا تستطيع أن تقدم للبشر هذا الامتياز فأنت لا تطرح الأسئلة الصحيحة، فضلاً عن قدرتك على الإجابة بشكل منطقي. واسمح لي بأن أخبرك أن فكرة الوطن كدولة يجب أن تقوم، هي فكرة مبالغ في تقديرها وكل هذه الأوطان أكذوبة.