أكثر من 200 مليار دولار هرّبها أثرياء الصين إلى الخارج

30 ديسمبر 2019
الصورة
أثرياء صينيون بحفل باذخ في فندق كيمبنسكي ببكين (Getty)

دفعت مخاوف الحرب التجارية التي استعرت خلال العام الجاري وكادت تتحول إلى حرب مالية وحرب عملات، أثرياء الصين إلى تهريب ثرواتهم خارج البلاد عبر طرق شرعية وغير شرعية.

وحسب تقرير لمعهد التمويل الدولي في واشنطن، فقد بلغ حجم الأموال التي هربت من الصين خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 74 مليار دولار وفقاً لبيانات استقاها المعهد من البنك المركزي الصيني، لكن حجم الأموال التي هربت من الصين بطرق غير شرعية تفوق هذا المبلغ بكثير، وقدرها المعهد بنحو 131 مليار دولار.

وتُضاف إلى هذه الأموال، الاستثمارات الأميركية التي نقلتها الشركات المصنعة في الصين إلى مراكز في آسيا مثل فيتنام ودول صغيرة أخرى، خوفاً من الحظر الأميركي والرسوم الجمركية التي طاولت المنتجات الرخيصة التي يصدرونها من الصين للولايات المتحدة.

وكان العديد من الشركات الأميركية المستثمرة في الصين قد تحسبت لاحتمال فرض حظر أميركي شامل على المنتجات الصينية حينما هدد الرئيس دونالد ترامب بأنه سيستخدم أقصى العقوبات الممكنة ضد المنتجات الصينية.

ومعلوم أن معظم المنتجات المصدرة للولايات المتحدة للصين هي في الأصل منتجات لشركات أميركية لها مصانع في الصين، تستفيد من رخص كلفة العمال والحوافز التي تمنحها الحكومة الصينية لها.

وحسب تقرير لمعهد التمويل الدولي، يستخدم الصينيون عدة طرق لتهريب النقد الأجنبي خارج الصين، إحدى هذه الطرق تسجيل استثمارات وهمية في الخارج تسمح لهم بتحويل أموال من البنوك التجارية للدول الأجنبية، كما يستخدمون كذلك علاقاتهم مع الأصدقاء والعائلات لتجميع ما هو مسموح لهم بسحبه من الدولارات وتحويله للخارج، وفق القانون الصيني.
وقالت هيئة إدارة الصرف الأجنبي الصينية، وهي هيئة حكومية، يوم الأحد الماضي، إن أهم واجباتها في العام الجديد 2020، هي تفادي حدوث مخاطر مالية كبرى في البلاد، وعلى رأسها منع هروب الأموال للخارج ومنع النشاطات التجارية غير الشرعية التي تستخدمها الشركات، وذلك في إشارة واضحة إلى تشديد الإجراءات التي يستخدمها أثرياء البلاد لتهريب أموالهم للخارج.

وقالت الهيئة "نحن بحاجة لخوض معركة حرجة لمنع حدوث مخاطر مالية في البلاد وتأكيد استقرار أسواق المال". وكانت الهيئة قد غرمت مصرف "تشاينا بانك" 4.2 مليون دولار في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وهي أكبر غرامة مالية تشهدها المصارف بالصين، وذلك في قضية تحويلات مالية للخارج. ولم تحدد الهيئة حجم الأموال التي حولها البنك الصيني ولكن ربما تكون بلغت عشرات الملايين من الدولارات.

وقالت الشركة التي يملكها الملياردير الصيني، ريتشارد ليو، في تعليقات على موقع "جى دي. كوم"، إن الغرامة تخص صفقة نفذها رجل أعمال استغل الثغرات في القانون المصرفي الصيني.

وكانت الهيئة قد غرمت كذلك مصرفاً صينياً آخر 6 آلاف دولار بسبب سماحه لعميل بسحب 50 ألف دولار نقداً من حسابه. ويتخوف أثرياء الصين من تكرار سيناريو العامين 2015 و2016، حينما انهارت البورصة الصينية ولجأت السلطات النقدية في بكين لخفض سعر صرف اليوان.

وخلال هذين العامين هربت من الصين أموال تقدر بنحو 800 مليار دولار إلى مراكز مالية في أوروبا وأميركا وآسيا. ومنذ ذلك الحين عملت السلطات النقدية الصينية على تشديد إجراءات خروج رأس المال والتحويلات من اليوان إلى العملات الأجنبية.

في هذا الشأن، قال محللون في مصرف" بانك أميركا ـ ميريل لينش" في مذكرة: "لقد تعلم مشرعو الإجراءات النقدية في بكين الدرس من تلك الفترة المخيفة".
من جانبه قال مصرف "يو بي أس" السويسري في تقرير عن الصين خلال الشهر الجاري، إن الصين قررت فتح أسواقها المالية للحصول على استثمارات أجنبية حتى تتمكن من تعويض أية خسائر من هروب الدولارات للخارج.

وحسب تقرير للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، فقد خسر الاقتصاد الصيني خلال عامي 2015 و2016 نحو 1.28 تريليون دولار.

ومنذ بداية حرب الرسوم الأميركية على السلع الصينية، اتخذ البنك المركزي الصيني عدة إجراءات لمساعدة الصادرات الصينية والشركات على تعويض خسائرها، من بين تلك الإجراءات السماح بالانخفاض التدريجي لسعر صرف اليوان. وهي خطوة تزيد من رخص المنتجات الصينية في الأسواق الخارجية، وبالتالي ترفع من تنافسيتها.

وحسب تقارير مصرفية خسر اليوان الصيني جزءاً لا يستهان به من قيمة صرفه مقابل الدولار، قدرت منذ عام 2018، بنسبة 12%.

ومن بين المخاوف الأخرى التي تدفع أثرياء الصين لتهريب ثرواتهم للخارج، الاحتجاجات المتواصلة في هونغ كونغ والمستقبل المجهول للجزيرة الثرية التي تضم نحو 98 مليارديراً. ويتخوف أثرياء الصين من انتقال عدوى الاحتجاجات إلى مناطق أخرى في البر الصيني لديها تظلمات مثل التبت وشينجيانغ.

وحسب تقارير، ألحقت المظاهرات الجماهيرية حتى الآن أضراراً جسيمة بهونغ كونغ، كأكبر مركز مالي صيني عالمي ومركز تسوق في آسيا.

وترى شركة جيفريز للخدمات المالية، وهي شركة أميركية، أن الأثرياء يبتعدون عن التسوق في المدينة، وأن خسائر متاجر الماركات الثمينة تتواصل. وتتوقع جيفريز، أن تخسر مبيعات سلسلة متاجر "بيربيريز" البريطانية نحو 122.2 مليون دولار خلال العام الجاري بسبب هذه الاحتجاجات.

وكانت الاحتجاجات قد ضربت موسم التسوق في أعياد الميلاد الحالية، كما أن العديد من المصارف وماكينات السحب تعرضت للتلف بسبب عنف الاحتجاجات.

ويعاني اقتصاد الصين من عدة صعوبات منذ بداية الحرب التجارية مع واشنطن، حيث ارتفعت قيمة الديون الخارجية وانخفض معدل النمو الاقتصادي.

على صعيد التباطؤ الاقتصادي، حذر محللون من أن النمو الاقتصادي في الصين قد يهبط عن الحد الأدنى لهدف بكين لعام 2019، والبالغ ستة بالمئة في العام المقبل، لكن خبراء الاقتصاد بالحكومة بدأوا أكثر تفاؤلا بقليل، حيث يتوقعون أن يسهم التحفيز في تجنب تباطؤ أكثر حدة.

ويرجح خبراء الاقتصاد المزيد من التباطؤ للنمو الاقتصادي الصيني في حال عدم إيجاد حل جذري لأزمة الرسوم مع واشنطن.

وتدهور النشاط الاقتصادي في أغسطس/آب الماضي، إذ سجل نمو الإنتاج الصناعي أقل مستوياته في 17 عاماً ونصف العام، بعدما أثرت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين سلباً على ثقة الشركات والاستثمارات والاستهلاك المحلي. ع

لى صعيد الديون، وحسب وكالة شينخوا الصينية شبه الرسمية، بلغت الديون الخارجية للصين نحو 2.0325 ترليون دولار بنهاية شهر سبتمبر/ أيلول الماضي.

وأظهرت بيانات مصلحة الدولة للنقد الأجنبي التي أوردتها الوكالة، أن هذه الديون ارتفعت في الربع الثالث بواقع 34.5 مليار دولار مقارنة بشهر يونيو/حزيران الماضي، بزيادة طفيفة بلغت 1.7 في المائة. كما تعيش الصين مرحلة من إفلاسات المصارف المتزايدة خلال العام الجاري. 
ورغم الهدنة بين العملاقين الأميركي والصيني، والاتفاق الأولي الذي سيوقع بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، فإن أثرياء الصين باتوا غير مطمئنين لما يحمله المستقبل من صراع استراتيجي على تشكيل "النظام العالمي الجديد".

ولا تبدو واشنطن راضية عن الصعود التجاري والاقتصادي الكبير للصين ومحاولتها التقليل من دور الدولار كعملة "احتياط دولية" عبر تحالفات دولية مع مجموعة بريكس وروسيا.

وكانت الحكومة الصينية قد أسست بورصة للعقود المستقبلية للنفط في شنغهاي، يباع فيها النفط بما يسمى "اليوان الذهبي". هذه البورصة تهدد موقع الدولار كعملة رسمية لصفقات النفط على المدى الطويل في حال نجاحها.

كما تستخدم الصين عمليات الاستثمار الخارجي في احتكار موارد رئيسية مثل المعادن والنفط في أفريقيا وتتمدد الشركات الصينية في مراكز نفوذ تعتبرها واشنطن مناطق استراتيجية للنمو الاقتصادي في المستقبل.