أكاذيب إسرائيل... جولة ميدانية في أنفاق سلوان

28 يوليو 2019
الصورة
نحو 80 منزلا مهددًا في حي سلوان(أحمد غرابلي/فرانس برس)
يبدو أن صيفًا جاء رحمة بعد قسوة شتاء كان قد رافق حيًا مقدسيًا كاملاً وعرج على بيوت لم تعد ملجأ آمنًا لأصحابها، وادي حلوة، هذا الحي المقدسي الذي لطالما تناوبت عليه سلطات الاحتلال متمثلة بـ "بلدية القدس" التي قامت مرارًا بعمليات الهدم بحجج عدم الترخيص، أو الاستيلاء على البيوت استنادًا إلى قوانين احتلال بائسة كقانون حماية أملاك الغائبين، وقانون حق العودة، ولا نعني ها هنا عودة لاجئين فلسطينيين، بل هذا القانون يدعم هجرة اليهود إلى ها هنا ويعطيهم منازل لطالما احتضنت أصحابها. بعد أن استنفدت سلطات الاحتلال حججها القانونية، لجأت إلى عمليات التهجير بصور أقل مباشرة وأشد ضررًا وخطرًا، أنفاق سرطانية ابتدعتها وفق قصة تاريخية فيها ضرب من الخيال والقليل جدًا من الحقيقة التاريخية، مدينة داود.

6000 آلاف نسمة يسكنون وادي حلوة القابع على المنحدر الجنوبي للبلدة القديمة من القدس، ويعد هذا الحي واجهة الزائرين لقرية سلوان من الشمال، سمي الحي نسبة إلى زوجة مختار سلوان أحمد صيام، التي استشهدت عام 1948. حضارات عديدة عاشت في قرية سلوان الممتدة من أسوار البلدة القديمة إلى جبال المكبر وذلك نتيجة وجود عين ماء فيها، من بينهم الكنعانيون الذين أسسوا نظام سحب المياه الجوفية.

مركز معلومات وادي حلوة - سلوان

المحطة الأولى نحو الحقيقة، في كل مرة يبحث فيها أحدهم عن معلومة صحيحة، عن رقم أو إحصائية متعلقة بسلوان، يكون مركز وادي حلوة الوجهة الأصح لكشف الحقائق وحماية حقوق أهالي المنطقة خاصة والمقدسيين عمومًا، تأسس المركز الذي يحمل اسم المنطقة التي يقع فيها عام 2009. ويهدف المركز الی توضيح وبيان الحقائق والتاريخ لقرية سلوان وكشف انتهاكات الاحتلال لها، وادي حلوة، اسم الحي المحاذي لسور المسجد الأقصى المبارك من الجهة الجنوبية في بلدة سلوان، وهو الأكثر استهدافا من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية. وضمن محاولاتها لمحو تاريخ هذا الحي أطلقت عليه اسم "مدينة داود" فحمل مركز المعلومات اسم الحي حفاظا على الأسم من التزوير والضياع.

مدير المركز جواد صيام، والذي تعرض مؤخّرًا لعملية طرد وتهجير من منزله في سلوان، أخبرنا عن وادي حلوة الذي كان أول حضارة تأسست لليبوسيين، وما يجري تحته من حفريات للأنفاق التي تتركز جميعها في وادي حلوة، مشيرًا إلى أن الضرر الأكبر ملحق في الجهة الغربية من الحي نتيجة طبيعتها الترابية، بينما تعد الجهة الشرقية أقل تضررًا كونها صخرية.

وتتبع المركز العائلات المتضررة على مدار الأعوام السابقة، راصدًا الأضرار الناجمة عن الحفريات وتوسع التصدعات في المنازل المتضررة وصولًا إلى مرحلة انهيار بعض المنازل العائدة لعائلة عويضة وأبو رميلة وأبو عيشة الذين أخلوا منازلهم رافضين التصريح عن أماكن تواجدهم الحالية، خوفًا من تتبع سلطات الاحتلال لمكان سكنهم لما في ذلك من تهديد مباشر لهويتهم المقدسية.

جولة في المملكة المزعومة

بعد حديث مفصل حول وادي حلوة ومحاولة السيطرة على منازل أصحابه عبر الحفريات التي تهدد وجودهم الفعلي وتضطرهم إلى إخلاء بيوتهم، كان لا بد لنا من الذهاب في جولة إلى ما يدعى بمحمية "مدينة داود" التي تبعد خمسة عشر مترًا على أبعد تقدير عن مركز المعلومات!

كسائحة تائهة تجولت، اضطررت إلى شراء تذكرة دخول سيعود ريعها إلى دعم المستوطنين ودعم الحفريات! خارطة سياحية فيها ذكر لتاريخ مدينة مشوه، وقصة خيالية لمملكة شبعت موتًا واستقرت آلاف السنين، سياح أجانب لا يهمهم سوى الشعور بالإثارة والقليل فقط من الفضول، مستوطنون مسلحون يتجولون بتبختر أسفل منازل المقدسيين الذين لا يملكون القدرة على ترميم بيوتهم دون إذن أو ترخيص. نفق مائي وآخر جاف، وآخر الأنفاق ما يدعى نفق الحجاج، أنوار مضيئة وشاشات تفاعلية، آثار في علب زجاجية، رحلة نحو تاريخ يحاولون إلصاقه برواية إسرائيلية، أدراج تقودك أسفل منازل تصدعت حيطانها وسقطت عمدانها وباتت خرابًا على أهلها، وتحت ذلك أنفاق سياحية تعود على المستوطنين بمبالغ طائلة تخدم مصالحهم في التوسع أسفل الأرض وفوقها.

شهادات المتضررين

تتجول مريم بشير في منزلها بحرص شديد، تعد طعامها بهدوء مبالغ فيه، تروي قصتها بنفس متقطع، ملل من الحديث وأمل في التغيير..أسكن وادي حلوة في باب المغاربة، أعيش هنا مع عائلتي منذ أكثر من 60 عامًا، كانت الحياة في منزلي أمرًا طبيعيًا إلى أن شعرت في الآونة الأخيرة باهتزازات. كنت أراقب أنبوبًا مائيًا يهتز بين الحين والآخر، أحضرت كهربائيًا وآخر مختصًا بالمياه، لم يجد أحدهم تفسيرًا مقنعًا، إلى أن اتضح أخيرًا أن هناك نفقًا جارياً حفره أسفل حيّنا.

تعالت الأصوات نهارًا وباتت أشبه بزلزال ليلًا سرق نوم أهالي الحي، حين اقترب افتتاح النفق باتت الأمور أشد سوءًا، ومع كل ضربة في النفق يتصدع منزل مريم أكثر فأكثر إلى أن أصبحت الأرض تأخذ بالانحدار نحو الأسفل، والحائط أخذ بالتشقق إلى أن بات غير قادر على سند أصحاب المنزل! خزانة من الخشب باتت تسند حائط منزل بأكمله، منزلٌ فوقه طابق آخر، إذا ما تحركت فيه طوبة أو تكسر به حجر سيهبط الطابق الثاني الذي تسكنه عائلة أخي مريم المتوفى، سيسقط فوق منزل مريم ويهدد حياة أبنائها.

تروي مريم زيارات المهندسين الدائمة لمنزلها، هذا يفحص التربة وآخر يفحص تصدع الجدران، تحاول بلدية القدس أن تغطي على جرائمها تجاه الحي نتيجة الحفريات التي ليست بالأمر الجديد، ورغم محاولات الترميم، ما زال المنزل مهددًا بالانهيار، نقلت مريم غرفة نوم أبنائها إلى غرفة أبعد قليلًا عن الحائط، حمام بأكمله بات غرفة مهجورة، بوابة المنزل الخارجية لم تعد قابلة للإغلاق نتيجة انهيار السور حولها، وكلما زادت الحفريات زادت التصدعات وازدادت معها مخاوف مريم ومخاوف أصحاب 80 منزلا آخر منهم من كان ضرره أقل حدة ومنهم كمريم بيونهم بحاجة مستعجلة للترميم وآخرون كعائلة السيد أشرف أبو ارميلة وعائلة عويضة الذين بات مستحيلًا عليهم أن يسكنوا بيوتهم واضطروا لإخلائها حفاظًا على حياتهم وحياة أطفالهم.

فصل الشتاء هذا العام كشف عورات منازل الحي، بانت أضرار الحفريات التي امتدت سنوات، من البيوت من انكشفت على جيرانها، ومنها من هبطت نحو الأسفل بعد أن فقدت القدرة على البقاء نتيجة رطوبة التربة بعد أن تسربت المياه أسفل المنازل بسبب الحفريات.

بيأس واقعي، حدّثنا عرفات حمدان الصرفندي، عن حالة منزله الذي تسكنه 4 عائلات، "هذا منزل والدي منذ عام 1963، ومنذ سنة ونصف بدأنا نسمع أصوات آلات الحفر، تشققت الحيطان وتكسر البلاط، مال منزلنا عن الأرض نحو 10سم من مكان الحفر، حاولنا إصلاحه لكن استمرار الحفريات أرهقنا وأرهق جدران منزلنا"، قدم عرفات عدة شكاوى للبلدية دون جدوى ووضع محام فآخر دون أن يجد استجابة ترضيه لتوقف الضرر الناجم عن الحفر أسفل منزله، أحضر عرفات مهندسين مختصين لفحص سلامة المنزل، فنصحوه بضرورة الإخلاء واستحالة العيش تحت سقف منزله بأمان.

"رحلنا شتاء وعدنا صيفًا"، يقول عرفات عن منزله الذي اضطر على الخروج منه نتيجة تسرب المياه في منزله الذي دمرته التصدعات والتشققات، عاد عرفات لمنزله الآيل للانهيار في أية لحظة نتيجة قصور الوضع المادي الذي لا يسمح له بالعيش في بيوت الإيجار التي ترتفع أسعارها في مناطق القدس: "عدنا إلى منزلنا فأنا مريض بالقلب ولا يمكنني مزاولة العمل وابني الكبير هو الوحيد الذي يعمل بيننا، فلا ملجأ لنا سوى هذا البيت الذي ربما سيهوي على رؤوسنا في أية لحظة". وعن جمعية العاد الاستيطانية أوضح لنا عرفات أن الجمعية قامت بزيارة منزله وعرضت عليه ترميمه ولكن دون تحمل مسؤولية أية عملية تشقق أو تصدع أو انهدام لاحقة، فرفض عرفات ذلك. وهنا عرضت عليه جمعية العاد الاستيطانية شراء منزله بدلًا من تحمل أعبائه، فطردهم من منزله على الفور.

حفريات لأهداف استيطانية
في هذا الحي المقدسي 70 بؤرة استيطانية تشرف عليها جمعية إلعاد الاستيطانية، التي تأسست على يد المستوطن ديفيد باري عام 1986، يأتي اسمها اختصارًا لجملة عبرية مفادها بالعربية: مدينة داود.
"لا يمكن القول بأن مدينة داود لا وجود لها، لكنها لا تتعدى كونها جزءًا من تاريخ حضارات عديدة مرت على المدينة"، هذا ما أكد عليه الباحث في تاريخ المسجد الأقصى والمرشد السياحي إيهاب الجلاد، الذي شدد بدوره على استحالة رؤية حفريات الأنفاق ومحاولات الكشف عن الآثار بمعزل عن النشاط الاستيطاني في سلوان، كما بين الجلّاد أيضًا أهمية مدينة داود التي ابتدعوها كمحمية طبيعية تأخذ السائحين في جولة تحت الأرض لتعود بمخرجات مالية ودعائية هائلة تقدر بملايين الدولارات تصب في خدمة مصالح المستوطنين.

تهديد حياة من فوق الأرض في محاولة لخلق تاريخ يمحو حياة من باتوا أحق بها، يقول الجلاد إن الاحتلال يحاول منذ الأزل أن يبحث عن شرعية تاريخية، فتقول روايتهم أن أسفل المسجد الأقصى يقبع الهيكل، وأسفل حي وادي حلوة في سلوان مدينة داود، لكن الجلاد يضيف أن الحفريات الأثرية العلمية لا تحتمل إثبات فكرة مسبقة، فالحفريات يجب أن تكون بناء على الموجودات لا على التنبؤات.

ومن اللافت أيضًا أن الحفريات وفقًا للجلاد، تقوم بتدمير جميع الطبقات التاريخية، الإسلامية منها والمسيحية، وصولًا للعصر الحديدي وهي طبقة مفترضة، تحاول إسرائيل من خلالها إثبات حق ملكية الأرض متجاهلة حياة آلاف المقدسيين الذين يعيشون في هذا الحي.

ومن الادعاءات الصهيونية التي تحاول إسرائيل أن تتذرع بها، وجود درج وبركة، أي مطهرة كنوع من الوضوء، وهو أمر لا يثبت حضارة بعينها، فيؤكد الجلاد على أن الناس جميعها إقليميًا في بلاد الشام كانت تتشارك ذات النمط الحضاري كنمط الغرف الأربعة مثلًا، فالمشكلة حسب ما يرى الجلاد لا تكمن في حقيقة وجود الآثار، بل تكمن في طريقة تفسيرها وتبرير الحفريات التي لا يمكن لها أن تطاول منازل يهودية جتى لو ثبت وجود آثار أسفلها كما هو الأمر في حي رحافيا الذي وجدوا فيه قبرًا يعود لـ2200 سنة ويدل على وجود مقبرة بأكملها، ولكن لا يمكن إخلاء السكان دون الحصول على موافقة وتراضٍ.


الخطة رقم 11555
في تقرير مفصل نشرته هيومان رايتس ووتش عام 2010، جاء تحت عنوان "انفصال وانعدام للمساواة"، تناول الحديث عن العديد من المناطق التي تتعرض لتهديد وجودي عنصري من بينها سلوان، حيث "أعلنت مدينة القدس عن خطة في يناير/كانون الثاني 2010 تفيد المستوطنة اليهودية التي تمول وتدير موقعًا أثريّا في الحي (وادي حلوة) كمنطقة سياحية (مدينة داود). وبموجب الخطة الأصلية، يحتاج إنشاء حدائق ومساحات عامة ضمن حيز الخطة إلى هدم 88 منزلاً فلسطينياً في منطقة البستان داخل الحي، ثم ظهرت خطة مراجعة قللت عدد البيوت المطلوب هدمها إلى 22 بيتاً.

ووفقاً للتقرير فإن بلدية الاحتلال في القدس أواخر عام 2007، عهدت بمشروع خطة البلدة رقم 11555 وتغطي الخطة 11555 مساحة 548 دونما في سلوان تشمل شرقي وادي حلوة والذي يدعي الاحتلال أنه مدينة داود، ومعظم أراضي البستان. وتهدف الخطة 11555 لتحويل هاتين المنطقتين الخاصتين بالمجاورات الفلسطينية في سلوان إلى منتزه أثري إسرائيلي. وتتطلب الخطة نزع ملكية الأراضي وهدم 88 مسكنا في البستان، وطرد نحو 1000 من السكان. وتخصص الخطة 11555 المنطقة، والتي يشار إليها "منطقة الخلية 309" باعتبارها "مساحة للطرق وساحات الانتظار والمسارات والمنتزه والمناطق المفتوحة والمناطق العمومية المتميزة والمباني والمؤسسات العامة والتركيبات الهندسية والإسكان." كما أن الخطة تتضمن نفقاً يقود من البستان في المنطقة السفلية من سلوان، ماراً أسفل ما تبقى من المساكن المجاورة، ثم صاعداً صوب مدينة داود (حي وادي حلوة) وحتى مخرجه بالقرب من الحائط الغربي داخل المدينة القديمة.