أفينيون المسرحي... في انتظار غودو السوري

26 يوليو 2016
الصورة
مشهد من المسرحية السورية "بينما كنت أنتظر"
+ الخط -
عرف مهرجان أفينيون في دورته السبعين، تقديم العرض السوري "عندما كنت أنتظر" للمخرج الموهوب عمر أبو سعدة، في فرجة مسرحية قليلا ما تتكرر، ذلك أن المهرجان لا يستضيف الكثير من العروض المسرحية العربية منذ وقت طويل.
العرض يعكس الوضع السوري الحالي، المشمول بالعنف المعمّم، ويفتح نوافذ ممكنة على احتمالات خلاص قد يأتي وقد لا يأتي كما في مسرحية " في انتظار غودو".


شاهدت في مهرجان أفينيون المسرحي السبعين قبل يومين عرضاً سورياً مهماً بعنوان (بينما كنت أنتظر Alors que J’Attendais) كتبه محمد العطار، وأخرجه عمر أبو سعدة. والواقع أنني من متابعتي الدائمة لهذا المهرجان أستطيع القول إن العروض العربية التي تنجح في أن يبرمجها مهرجان أفينيون الرسمي في أي من مواسمه قليلة، وأقل منها هي تلك العروض الجيدة التي ترقى إلى مستوى الأعمال المسرحية المثيرة للتأمل والاهتمام فيه، والتي تجعل هذا المهرجان أهم مهرجانات العالم المسرحية. وعرض «بينما كنت أنتظر» عمل جدير بالاهتمام والتقدير، ينبئ عن كاتب مسرحي موهوب بحق؛ لأنه ذكرني بمسرحية سعدالله ونوس «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» التي وضعت اسمه على خريطة المسرح العربي باقتدار، وإن صدرت «بينما كنت أنتظر» عن ظروف أصعب وأكثر تعقيدا من تلك التي صدر عنها عمل سعدالله ونوس. كما أنها تنطوي على كثير مما أنجزته رحلة المسرح العربي مع التطور والنضج منذ ذلك التاريخ البعيد في حزيران المشؤوم. ومما عزز من أهمية هذا العرض أنه قد توفر له مخرج موهوب يدرك أهمية لغة العرض المشهدية والحركية، استطاع أن يكشف لنا ما ينطوي عليه النص من مستويات متعددة من المعاني والاستعارات. ومع أن العرض جرى في مسرح بسيط هو قاعة فارغة كبيرة بإحدى المدارس الثانوية (ثانوية بول جيرا)، إلا أنه استطاع أن يحافظ رغم تقشف الإمكانات على جمالياته المسرحية المتميزة، وأن يوظف مستويات العرض الذي جرى على مستويين: أولهما على الخشبة/ الأرض بالمعنى المجازي، لأنها ليست إلا مساحة من تلك القاعة لا ترتفع عن أرضها، وإن تم تحديدها، وثانيهما مستوى أعلى استطاع المخرج أن يوظفه مكانيا وتراتبيا وزمانيا بمهارة ملفتة، وأن يعرض عليه بعض مشاهد المسرحية التي تتسم بخياليتها أو حلميتها، فضلا عن عدد من الفيديوهات الوثائقية، التي تموضع ما يدور على الخشبة في سياقاته الثقافية والسياسية الأوسع.



سينوغرافيا العرض
حينما نفد إلى الفضاء المسرحي فإن أول ما يلفت انتباهنا هو سرير مستشفى فارغ، سنكتشف فيما بعد أن فراغه يسع سورية بأكملها، وبجانبه أم سورية محجبة في ملابس بيضاء تتماشى من بياض السرير وما ينطوي عليه اللون من محو تسعى المسرحية للاشتغال عليه. بينما تظهر في المستوى العلوي من المشهد كلمات باللغتين الإنكليزية والفرنسية، وهما لغتا المهرجان، تقول إن أحداث المسرحية تدور في دمشق بين عامي 2015 و 2016. وعلى الجانب العلوي في يمين المسرح مائدة يجلس إليها شخص يقرأ، سنعرف فيما بعد أنه «عمر». وعندما يظلم المشهد استعدادا لبدء العرض ينفتح على «تيم»، في تنويع على يتم، يرقد في السرير، الذي تجلس بجانبه الأم وهي تقرأ آيات من سورة الرحمن. ثم يتتابع العرض في هذا التكوين الذي يعي أهمية مفردات المشهد المختلفة وتكويناتها، بإيقاع يحرص المخرج على السيطرة عليه كي يحافظ على اهتمام المشاهدين. فنعرف أن «تيم»، الراقد أمامنا في غيبوبة سريرية، قد عبر بسيارته حاجزا ما، فلاحقته سيارة تشعل أضواء الملاحقة الزرقاء، فلما أوقف سيارته انهال عليه من فيها، ولم يفق إلا في هذا السرير الذي لن يفيق من غيبوبته فيه حتى نهاية العرض. ويرد عليه من المستوى الأعلى، الواقع بين السماء والأرض، «عمر» ليروي هو الآخر تعرضه لفعل مشابه حينما لاحقته المخابرات وأخذته إلى أقبيتها الجهنمية التي أرسلته بدورها إلى غيبوبة مشابهة ومغايرة في الآن نفسه، لم يستسلم المخرج لتكرار مشاهدها السريرية في المستوى الأعلى من المسرح، وكأن سريرا واحدا يسع سورية كلها، ولهذا حرص العرض على إبقائه شاغرا معظم الوقت، بعدما أدى دوره في رواية الأحداث المهمة لفهم ما جرى، وما يجري.
هكذا يصبح «تيم» و«عمر» بطلي المسرحية وراوييها معا، بعدما حولتهما غيبوبة العنف إلى طيفين. لأن تشابك قصتيهما وتوازيهما يبلور لنا ما آل إليه الوضع السوري بعد سنوات من اندلاع شرارة الثورة، ويتيح للعرض أن يجسد تلك المآلات ويعريها أمامنا على الخشبة، وينتقدها بلا هوادة. ولأن النص يدرك أهمية الحتمية الدرامية من ناحية، وضرورة تحاشي الترهل والتكرار في أي عمل مسرحي جيد من ناحية أخري، فقد حرص على أن يقدم لنا تفاصيل قصة «تيم» التي تدور أغلب وقائعها على المستوى الأرضي من المشهد. وأن يكتفي بتقديم خلاصات وتلخيصات لقصة «عمر» الذي أبقاه في المستوى العلوي من العرض، ولم ينزل به إلى أرض التفاصيل. وهو حلّ درامي موفق لا يتشتت فيه انتباه المشاهد بين أكثر من قصة مهما كانت غواية التعامل مع تفاصيلها، بينما يحافظ على آليات التجاور والاختلاف التي تكشف عن تباين التنويعات على ما يعرضه علينا النص من أحداث لا سبيل إلى تكرارها. وهو الأمر الذي يفتح العرض على الواقع السوري الأعرض. فما هي قصة «تيم» الذي يوشك أن يكون بطل هذه المسرحية الحاضر الغائب دوما؟ هي قصة شاب من شباب الربيع العربي المغدور. تحمس للثورة من بدايتها، وخرج في مظاهراتها مطالبا بالحرية والتغيير؛ ولما تحول حراك الثورة السلمي إلى العنف المسلح ردا على عنف النظام الوحشي المدجج بالسلاح، قرر ألا ينخرط في مباءة هذا العنف. ولجأ إلى تغيير طبيعة مشاركته في الثورة، من خلال توثيق ما يدور على الجانبين، في فيديوهات يضعها على الإنترنت، وتعرض علينا المسرحية بعض مقاطعها.

شخصية "عمر"
أما «عمر» والذي تتيح له المسرحية أن يقدم تنويعاً آخر على خيبة أمل «تيم» في مسار الحراك الثوري، وأن يرد على مقولات أدونيس الشهيرة بأنه لا يستطيع تأييد ثورة تخرج من المساجد، فإنه وهو يدحض تلك المقولات يبرهن في مستوى آخر على أهميتها وإشكاليتها معا، حينما يضيق ذرعا بالتلقي السلبي لعنف النظام، وينضم إلى جبهة النصرة. وتكشف له تجربته في دهاليزها عن الكثير من التناقضات والمشاكل والسلبيات، فيقرر تركها والانتقال إلى داعش، هناك بدأوا استجوابه خوفا من أن يكون مدسوساً، ولكنه سرعان ما وجد نفسه يتعرض لأكثر مما تعرض له في أقبية مخابرات النظام البشعة. ففقد الأمل في كل شيء، وأخذ يحلم بأن يحقق حلمه الأولي البسيط في أن يصبح DJ وأن يغيب في عالم من الموسيقى الصاخبة، وكأنه ينشد الهرب من غيبوبة بالدخول في أخرى.
لكن قصة «تيم»، الذي يقدم اسمه إيحاءً باليتم كما ذكرت، وهو اليتم الذي يتضور فيه هذا الجيل الجديد من الشعب السوري وقد تخلى عنه الجميع، أو شارك في تدميره الجميع، هي التي تعكس بحق ما يمكن دعوته بالقصة العامة لما جرى في سورية من دمار بشري ومادي ومعنوي. حيث دمر هذا الحادث، الذي جرى لمرارة المفارقة أثناء محاولته الفرار من دوامة العنف الذي انزلقت إليه الثورة السورية، لا حياته فقط، وإنما حياة عدد غير قليل ممن يحيطون به. فقد كان يحلم بأن يعمل فيلما يستلهم فيه حكاية أسرته، وهو الحلم الذي تسعى شقيقته «ندى» لإكماله بعدما سقط في غيبوبته التي طالت. وكان يحب فتاة من عمره، ويحلم بأن ينشئ معها بيتا وينجبا أطفالا كأي شاب في عمره. وأحد الأبعاد الدرامية الدالة في قصة عشقه لها، هي أنها اكتشفت أنها قد حملت منه قبيل الحادث الذي أفضى إلى غيبوبته، وأنها أجهضت الحمل، وهو الأمر الذي تشعر حياله، بعدما طالت غيبوبته ووهن الأمل في نجاته من ناحية، وبعد أن كشف لها صديقهما المشترك «أسامة» أنه كان قد أخبره قبل الحادث بأنه عزم على التقدم للزواج بها من ناحية أخرى، بالذنب الفادح؛ فربما كان هذا الجنين هو الأثر الوحيد الذي سيبقى منه.
أما البعد الدرامي الآخر فإنه يكمن في قصة أسرته نفسها، وكيف تزوج أبوه سرا من عشيقته، واكتشفت أمه، التي كانت تعيش على عشق زوجها لها وخطاباته الغرامية المؤثرة إليها كل حين، هذه الخيانة بعد موته. مما شكل صدمة كبيرة دفعت بها إلى بلهنية التدين والحجاب. كما فرضت الحجاب على ابنتها الوحيدة «ندى» التي لم تتحرر منه إلا مع اندلاع الثورة، والهرب إلى لبنان وما يوفره من حرية ومواجهة للذات إثر معرفتها بما جرى لأخيها. لذلك فإنها تعود بعد تجربتها في لبنان عازمة على أن تكمل الفيلم الذي بدأه أخوها. وكأن إكمال رواية القصة الخاصة هو السبيل إلى فهم ما يدور في المأساة العامة، لأن التنقيب في أغوار الذات هو السبيل إلى رسم صورة موثوق فيها عن العالم.
هنا تظهر شخصية «أسامة» الموسيقي الفنان، أم تراه المثقف الضائع، وصديق تيم وندى الموهوب الذي بدد موهبته في مشروعات لم تكتمل، وواصل الغياب في غيبوبة من نوع آخر في سمادير الحشيش الذي يولع بتدخينه، ويحث ندى على تدخينه معه، فتفعل علّه يمثل نوعا من التحقق المفقود، الذي يؤكد النص عبر مشهد الإخفاق الجنسي استحالته.


الخروج من الغيبوبة

مع وعي «أسامة» بإخفاقاته في الفن والحياة معاً، يتمادى في غيبوبته، علّها تنقذه من هذا الوضع السوريالي الذي تعيشه سورية كلها، والتي تكشف أحداث المسرحية عن أنها لا تزال تنتظر معه ومع تيم وبقية الشخصيات. فالغيبوبة التي تفتتح المسرحية بها أحداثها في مشهد قصير ينهض بعده «تيم» من السرير، ويتركه فارغاً معظم فترة العرض، ليست مجرد غيبوبة فعلية فحسب، تتيح لطيف «تيم» حرية الحركة بين الأمكنة والأزمنة، ولكنها أيضا غيبوبة استعارية. غيبوبة ناجمة عن عنف الحرب وقسوتها الوحشية، تتخلق من آليات الأفق المسدود أمام الجميع، وتدفع البعض إلى الغرق في رمال غيبوبة أخرى ناعمة، ناجمة عن «صواريخ» الحشيش التي يحلم مدخنوها مثل «أسامة» بأن تنقذهم من صواريخ الحرب المدمرة. نحن إذن بإزاء عمل مسرحي يسعى إلى استخدام جماليات النص والعرض معاً لتقديم الوضع المعقد في سورية، والتعامل مع كثير من إشكالياته الصعبة. يتجنب برغم بصيرته النقدية الثاقبة إلقاء المسؤولية على جانب دون الآخر، لأنه يعي جمعيتها. وينجح في صياغة استعارة درامية قادرة على تجسيد عبء الانتظار وفداحته، حيث سورية برمتها تنتظر الخلاص من تلك الغيبوبة البشعة الناجمة عن العنف الوحشي والدمار الذي لا عقل له. وحيث الأفق المسدود يحكم قبضته على كل شيء، ويخلق آليات تدمير الذات وتدمير الآخر في آن.

المساهمون