أفلاطون في اسطنبول

أفلاطون في اسطنبول

13 نوفمبر 2016
+ الخط -
لم تكن فكرة السفر متأصلة في تفكيرنا، ولا من أولويات مخططاتنا، لكنّه القدر، يسوق لنا ما لم نتوّقعه، ويحجب عنّا ما كنّا نظنّه باقٍ، فمشيئة الله فوق كل إرادة بشرية.
لم يمضِ على قدومي إلى اسطنبول سوى بضعة أشهر، جئت إليها بعد أن ضيّقت دولة عربية على أسلوب حياتي وحرّيتي، فاعتقلت لذنبٍ لم أعلم حيثياته، سوى أنّني أشكّل خطراً على أمنهم القوميّ.
لن أطيل الكلام عن تلك الدولة، فقد أخذت طريقاً في التضييق على السوريين خصوصاً، وحاربتهم في رزقهم وأعمالهم ليكون سبباً رئيسياً لهجرتهم من تلك الدولة إلى أوروبا أو إلى تركيا.
جئت إليها طالباً أمناً فقدته، وسبيلاً للحياة أمشي فيه، أجمع من جنباته الآمال والأحلام، كمن يحمل مشكاةً في طريق ساده الظلام فجأة.
في اسطنبول تتغيّر بعض المفاهيم التي نحملها، تلك المدينة التي كنّا نباهي بعضنا بعضاً لزيارتها في فسحة سياحية كانتْ لنا كرحيق الزهور في فصل الخريف، لتصبح الآن مثل واحة في وسط صحراء مقفرة، يلجأ لها من تاه عن الدرب، وأصابه تعبُ السفر ونقص المؤونة.
ما زالت اسطنبول قبلةً للسياحة لشعوبٍ كثيرة، لما تحويه من معالم فريدة متناثرة على ضفاف المدينة وسفوحها، وعلى جنبات المضيق تدرّجاً من الجبل إلى السهل، ومن ثم إلى الساحل، جمال مترابط مثل حبّات عقدٍ لا تنفرط.
لكنّ المفارقة في هذه الأيام أنّ بعض سائحي هذه المدينة مكثوا فيها وأصبحوا جزءاً منها، ليضيفوا تنوّعاً لها، فسيفساءٌ هو ما نشاهده في هذه المدينة الكبيرة بألوان بشرتهم وثقافاتهم ومهاراتهم.
في هذه المدينة، يجد المواطن والمقيم والزائر أفضل أنواع الخدمات، وبأسلوب بسيط بعيداً عن التعقيدات والروتين وسوء المعاملة، فالكلّ فيها سواسية، لم تحمل اسطنبول هذه الشهرة، بسبب تميّزها بالمظهر العمراني، بل تختلف عن مدنٍ كثيرة بالمستوى الحضاري والسكاني والحكومي، وصولاً إلى الخاص، فالإنسان، بمختلف تصنيفاته من المسؤول إلى العامل، هو حجر الأساس في بناء هذه المدينة، وهو الورقة التي يراهن عليها أهل البلاد أنفسهم، لإعطاء صورة جميلة عن مدينتهم، فمحلُّ العطارة يستوجب أن يحمل العطّار رائحة الطيب أيضاً.
العدلُ حيث لا عدل في المحيط، والأملُ يطفو فوق هذه الأرض، في حين يُقتل في أماكن أخرى، ويُدفن تحت أرضها، من دون أن يعلم به أحد، وأحلام تداعبها أمواج البحر، لترسو بها على شاطئ الرجاء.
من هنا، يرسم الجميع طرقاتهم التي سيسلكها كلّ منهم من دون أن يعترضهم أحد، فلا قيود ولا أكمام تُسكت أفواههم التي صدحوا بها يوماً ما بحريّةٍ أرادوها في بلدانهم، حريّة تخلصّهم من الظلم وطواغيته الذي عاثوا في البلاد إفساداً، ولا قوانين تسلبهم حقّ العمل لشراء قوت يومهم وأهليهم، كما تفعل دولٌ عربية، أصبح تصريح العمل فيها كمن يحلم أن يربح الجائزة الكبرى في ورقة يانصيب (تحفُظّاً)، وتراها في اسطنبول ورقة عادية تُعطى للجميع.
ربّما تكون اسطنبول بذرة طيّبة ستنمو في المستقبل، لتصبح تلك المدينة الفاضلة العابرة للتاريخ، ولن يكون هذا التصوّر مبنياً على المشكلات والأزمات التي أصيبتْ به بلداننا، ولا لفائض الحريّة التي تحويه في بعض مناطقها، لكنّ من قرأ تاريخ هذه المدينة وإنجازاتها يعلمً تماماً أنّها تربةٌ خصبةٌ لما يرنو له الجميع، من دون فلسفاتٍ ولا منطقٍ إغريقي، وإن احتجت لأفلاطون في عنوان مقالتي، لكنّ العدل كلّ العدل في إسلامنا الذي سيبني لنا عشرات المدن الفاضلة وستكون أولها اسطنبول.
C741516E-C8ED-4D4F-BB6F-58114ABA9CAD
أيهم أبا زيد (سورية)