أغيم فينتسا.. ستة أيام في بلاد محتلة

14 يناير 2020
الصورة
(أغيم فينتسا)
+ الخط -

أغيم فينتسا شاعرٌ وناقد وأكاديمي وُلد عام 1947 قرب مدينة ستروغا في جنوب جمهورية مقدونيا الشمالية، حيث تُقام كلّ صيف أمسيات شعرية دولية استضافت مئات الشعراء حتى الآن. وبعد إكماله المدرسة الثانوية، رحل إلى بريشتينا عاصمة كوسوفو ليلتحق بقسم اللغة الألبانية وأدبها في جامعة بريشتينا، وبقي مقيما فيها لمتابعة دراساته العليا، ثم عمل فيها حتى تقاعده في 2017، ليصبح مع الزمن من أبرز الأصوات الشعرية والنقدية في كوسوفو، وذلك بحكم عمله أستاذاً للأدب الألباني المعاصر.

بدأت موهبة الشعر مبكرةً عند فينتسا، ونشر أول دواوينه "الفينيق" (1972) حين كان طالباً في الماجستير، وصولاً إلى ديوانه العاشر "حنين إلى الأزمنة الخطرة" (2017)، وتُرجمت أشعاره إلى لغات عدّة؛ من بينها العربية والتركية والصربية والمقدونية واليونانية والإيطالية والفرنسية، سواء من خلال المهرجانات التي شارك فيها أو من خلال المجلات والمختارات الشعرية من الأدب الكوسوفي أو الألباني.

حين برز كصوت جديد في سبعينيات القرن الماضي، كانت فلسطين رمزاً ملهماً بالنسبة إلى الشعراء الألبان، نتيجةَ للتغطية شبه اليومية للأحداث الفلسطينية من بيروت للصحافي الكوسوفي المعروف نهاد إسلامي، ولذلك نجد في قصيدته "درس" (1985)، حين سأله ابنه عن الوطن، احتار في الإجابة إلى أن أجابه ببساطة: "إنه فلسطين بالنسبة إلينا". ودارت الأيام إلى أن تلقّى دعوة للمشاركة في المهرجان الشعري الدولي "أصوات حية من المتوسّط في المتوسط" الذي عُقد في صيف 2018 في رام الله.

أحيت هذه الدعوة مشاعر الماضي، ولذلك حرص على لقاء الصحافي المخضرم نهاد إسلامي قبل سفره إلى فلسطين التي بقي فيها أسبوعاً (من 13 إلى 18 أيلول/ سبتمبر). ولكن تلك الأيام كانت مشبعة بالاكتشافات واللقاءات والمفاجآت التي حرص على تدوينها بصراحة وموضوعية وشاعرية ونشرها ضمن كتابه الأخير "ضوء وضباب" (ص 423 - 445) الذي صدر مؤخّراً عن "دار سيث" المقدونية (تيتوفو 2019).

يشمل الكتاب مقالات متنوّعة نُشرت في الصفحات والملاحق الثقافية في ألبانيا وكوسوفو ومقدونيا، وفيها يرصد صعود أصوات شعرية جديدة ورحيل شعراء كانت لهم مكانتهم، ويتابع بروح نقدية وسجالية أحياناً العلاقات بين المثقّفين الألبانيّين، ومن ذلك العلاقة الصاعدة - الهابطة بين أبرز كاتبَين في ألبانيا وكوسوفو: إسماعيل كاداريه ورجب تشوسيا. وإذا كان مثل هذا الكتاب يعني المهتمّين بوضع المثقّفين في مرحلة الانتقال من الحكم الشمولي إلى الحكم الديمقراطي، بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، فإنَّ القسم الأخير قد يهمّ القارئ العربي أكثر للتعرّف على ما تعني فلسطين بالنسبة إلى فينتسا؛ عندما كتب عنها دون أن يعرفها من الداخل، وحينما كتب عنها بعد أن زارها والتقى مع زيتونها وناسها وشعرائها وكتّابها.

مع وصوله إلى ما يسمى "مطار تل أبيب" (مطار اللّد المحتل) وانطلاقه إلى رام الله، كان أوّل ما فاجأه حواجز التفتيش الإسرائيلية والتصرّف مع العابرين لها، وهو ما جعله يتذكّر "مشاهد الأفلام التي تتناول الأنظمة التوليتارية، وخاصة ما ورد في رواية "1984" لـ أورييل" (ص 424).

ومع وصوله إلى مكان الإقامة في رام الله، فوجئ في برنامج المهرجان الشعري الذي دُعي إليه أن اسمه ورد في القائمة مع قوسين يشملان الدولة التي يمثّلها (ألبانيا). اعتقد أن الأمر مقصود لكون ألبانيا أكثر شهرة من كوسوفو، ولكن في أوّل لقاء جمعه بالصدفة مع مجموعة طلبة برفقة أستاذ لهم بعد ساعة من وصوله إلى مقر الإقامة، فوجئ بأن الطلبة لا يعرفون أنّ ألبانيا تقع في أوروبا، ولكن أستاذهم أوحى له بأن يعرف أكثر عن موقعها بالقول إنها "دولة المافيات". صحيح أن هذا الوصف فاجأه، ولكنه في قرارة نفسه اعترف بصحّته، نتيجة لتصرّفات الذين تعاقبوا على السلطة منذ سقوط الحكم الشيوعي في ألبانيا (ص 424).

في أول خروج له إلى شوارع رام الله، أدهشه ما يعني الزيتون للفلسطينيّين حتى أن أشجار الزيتون تزيّن أرصفة المدينة. كانت أول زيارة له (قبل بداية المهرجان الشعري) إلى متحف محمود درويش الذي اعتبره جديراً بشاعر كبير مثله، وقارنه مع بساطة أضرحة الشعراء الألبان الكبار نتيجةً للإهمال.

مع هذه المناسبة، يأخذ القرّاء معه ليعرّفهم بمحمود درويش ومكانته. في هذا السياق، يذكر قدوم درويش إلى مسقط رأسه للمشاركة في "أمسيات ستروغا الشعرية" وفوزه بجائزة "الإكليل الذهبي" عام 2007. كانت الألبانية من بين اللغات التي تُرجمت إليها أشعار درويش. لذلك كان فينتسا حريصاً على أن يأخذ معه هديةً إلى المتحف؛ هي نسخةٌ من مختارات درويش التي نقلها إلى الألبانية عبد الله حميدي، أستاذ اللغات الشرقية في قسم الاستشراق بجامعة بريشتينا. ولكن ما أدهشه هنا - كما يروي في الكتاب - هي "برودة" مدير المتحف أزاء "الهدية" التي حملها معه، بينما "امتدح" كثيراً أناقة المدير التي "كان ينافس بها الضيوف الفرنسيين المشاركين في المهرجان الشعري" (ص 428).

وعلى ذكر المهرجان، فقد فوجئ فينتسا بالمشهدية الجميلة التي رافقت افتتاحه: الاستعراض الموسيقي في الشارع الرئيسي في رام الله وصولا إلى مبنى البلدية. وبعبارة أخرى كان المهرجان حدثاً شعر فيه (مع بقية الضيوف) بحب الفلسطينيّين للشعر والموسيقى والحياة (ص 430).

تحدّث أغيم (الذي يعني في الألبانية فجر) عن صداقاته الجديدة مع المثقّفين الفلسطينيّين، ومنهم إيمان عون مديرة فرقة "عشتار" المسرحية، والتي كانت من ضمن منظمي المهرجان الشعري، وقد وعدته بإقامة عرض مسرحي في كوسوفو. كانت لغة الحديث بينهما الفرنسية، ومع اعترافه بإتقان إيمان للفرنسية، إلّا أنه يقرّ بأنه، عندما كانت تحدّثه عن وضع الفلسطينيّين، كان يبدو أنه "يفهم بصعوبة ما تقوله نظراً لصعوية الوضع في فلسطين" (ص 431). ولذلك رأى أنه لا بد أن يفسح صفحات لكي يوضّح بدوره للقرّاء تعقيدات ذلك الوضع، وبالتحديد عن اتفاقية أوسلو 1995 وما جلبته من تعقيدات واضطهاد (مناطق أ - ب - ج) عوضاً عن أن توفّر تسهيلات لحياة الفلسطينيين (ص 432).

اعتَبر فينتسا تكريماً له أن يكون أوّلَ الشعراء في المهرجان وأن تنال قصائده ترحيباً، وخاصة تلك التي استلهم فيها فلسطين. كان البرنامج يتضمّن قراءات شعرية للضيوف في أكثر من مكان، غير أنَّ المكان الأكثر تشويقا له كان مدينة القدس المحتلة. ولكن، وعلى الرغم من قصر مسافة بينها وبين رام الله، لم يكن الوصول إليها سهلاً بسبب الحواجز والطرق الالتفافية. في شوارع القدس القديمة التي عاد إليها "سائحاً" مع بعض الضيوف، فاجأه منظر جنود الاحتلال الإسرائيليّين المدجّجين، ممّا جعله يشعر بأن "السلام في القدس زائف".

مع نهاية "الأيام الفلسطينية"، وجد أغيم نفسه في "مطار تل أبيب" محاصراً بالأسئلة عن زيارته وإقامته في فلسطين: أين كنت؟ لماذا جئت؟ من وجّه الدعوة لك؟ كم يوماً بقيت؟ أين تجولت؟

في الطائرة التي حملته إلى إسطنبول، استذكر لقاءاته مع مجموعة من الشعراء الفلسطينيّين، ليقول أخيراً "إن الفلسطينيّين جزء من عائلة الشعوب العربية، ولكنهم من حيث المزاج متوسّطيون، يتحدّثون بصوت مرتفع، يضحكون ويغنّون ويحبون المرح" (ص 444).

بقي يتذكّر في الطائرة صحوته اليومية في رام الله على أصوات الديكة التي تعقب أذان الفجر، ما جعله يستذكر طفولته في القرية، ليختم كل ما كتبه بالقول: دمتِ بخير يا فلسطين.

درس صغير عن الوطن

ما هو الوطن يا أبي؟
سألني ابني في أحد الأيام.
كيف أجيبه؟
سؤال بسيط جدّاً
وصعب جداً.
الوطن... الوطن هو...
بدأت أتلعثم كولد مذنب
الوطن هو الأرض حيث وُلدنا هو أرض أجدادنا
هو فلسطين بالنسبة لنا، الوطن سماء وأرض وهواء
الوطن هو طيور النورس
والغيوم والفراشات والعصافير
الوطن هو أنت وأنا ونحن الجميع.
ما هو الوطن يا أبي؟
سألني ابني ثانية
كيف أجيبه؟
ماذا أقول له؟
عندما لا يسألني أحد أعرفُ
وعندما يسألني أحد لا أعرفُ
يا للغرابة!

أغيم فينتسا/ 1985


ضوء وضباب
في كتابه "ضوء وضباب" (الصورة)، يذكر أغيم فينتسا أنه، وخلال رحلة عودته من فلسطين مروراً بإسطنبول، ظلّ يستذكر لقاءاته مع الشعراء الفلسطينيّين، مضيفاً: "الفلسطينيّون جزء من عائلة الشعوب العربية، ولكنهم من حيث المزاج متوسّطيون، يتحدّثون بصوت مرتفع، يضحكون ويغنّون ويحبون المرح"، كما ظلّ يستذكر صحوته اليومية في رام الله على أصوات الديكة التي تعقب أذان الفجر، ما جعله يستذكر طفولته في قريته.


* باحث وكاتب كوسوفي سوري