أغنية "المرجيحة".. نحن أمام شيء ما

23 يوليو 2017
الصورة
+ الخط -
يستطيع بعضنا، مدفوعًا بحسّ التفوّق الثقافي، أن يبدي موقفًا من انتشار ظواهر، كـ "ركبني المرجيحة" أو غيرها، يرتكز في الجوهر على التجاهل أو السخرية البسيطة لسببٍ كتفضيلنا بينك فلويد، مثلًا، أو لأننا نضحك مع جورج كارلين، لا مع الخليل كوميدي.

يبدو الموضوع في البداية بسيطًا حدّ البداهة؛ نحن في مواجهة جديدة مع المنتج الرديء، مواجهة لم ولن تنتهي بربح أو خسارة، بل بالانسحاب إلى القاعدة الأم وتفضيلاتنا الراقية، كي لا نتسخ بمنتجات حاضرنا. لكن هل الأمر بهذا التكرار البسيط فعلًا؟

يبدو النظر إلى المسألة بهذه الطريقة خاطئًا، وليس فقط لكون حكمنا على "الرديء" ظالمًا أحيانًا. فوفقًا لهذا الاعتقاد يبدو حقل الإنتاج الإبداعي مفتوحًا للجميع، الصالح والطالح، وما علينا إلا الاختيار لنثبت جدارتنا. نحن ضدّهم. بهذا التبسيط، بلا أي تفكيرٍ بما وراء لحظة الإنتاج، سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة، كمصر مثالًا أو سورية، بحيث يكون السؤال الذي يُطرح دائمًا: متى سيتحسّن الفن؟ ويتوقّع معظم السائلين أن تكون الإجابة من العاملين بالمجال الفني حصرًا، عبر "نهضةٍ ثقافية" مبهمة التفاصيل، يُطالب بها الذواقة الرفيعون.


أم العجائب.. مصر
يبدو افتتاح فقرةٍ كهذه عبر التذكير بعراقة مصر في المجال الفني وتاريخها الحافل خيارًا مثاليًا. وهو دقيق في الواقع، إلا أن الحاضر في مصر – على كافة الأصعدة - يجبرنا على الانطلاق منه في الحديث، لما يحتويه من قسوة.

فمنذ أيّامٍ فقط، ظهر فيديو "ركبني المرجيحة"، لم تكن الردود إيجابية بالطبع، وحتى أقسى منتقدي الفن الشعبي يوافقون على أن الأغنية لاقت رفضًا منقطع النظير، وأنها لا تمتّ إلى أي نوعٍ فني بصلة، ولننظر إلى الأمر: نحن أمام شيءٍ (وليس أغنية) مفرط في بشاعته وافتقاره لأبسط المقوّمات التي قد تحدّد نوعًا، ما يجعل نقده ضربًا من ضروب هدر الجهد. ينتشر هذا الشيء، يبدي الجميع آراءهم، وتبدو الصورة ظاهريًا طبيعية.

إن الخطأ في هذه النظرة هو إغفالها وجود "جهاز الرقابة على المصنّفات الفنيّة" الذي لا يمكن إلا أن نكن له كل الاحترام والتقدير، لمعاييره الكسيحة. وبينما ينشط الجهاز في تلويح مقصّه هنا وهناك (وله سجلّ ممتاز في السينما تحديدًا)، يعجز، على الرغم من اسمه المهيب المكوّن من أربع كلمات، على الإتيان بأي فعلٍ تجاه "وديني المرجيحة"، على الرغم من زخر قاموسه بتهم الإخلال بالآداب والأخلاق العامة والسياسة، والتي يمكن تطبيقها على موضوعنا (ما زلت أتحاشى تسميته أغنية) بشكلٍ محقّ أو لا.

وحتى لو أخذنا بالحسبان تصريح المتحدّث باسم نقابة المهن الموسيقية عن جهده لمنع دالي حسن من الظهور على المسارح، وعجزه عن القيام بالأمر ذاته بالنسبة للتلفزيون، -بسبب القانون-، فإن هذا لا يبرّر شيئًا، بل يزيد الطين بلة. القانون يُطبَق بدقة، فجأةً.

هل في إخراس دالي خرق للحريّة؟ لا يهم، فالخرق قد حدث فعلًا وما زال يحدث، ومهما كان الناتج عن ملاحقة دالي فإن الموقف الرسمي، بشكلٍ أوسع، لن يتغيّر تجاه نشر التفاهات.


تأرجح "المرجيحة"
يقول ألبير كامو، في بداية الفصل الرابع من كتابه "الإنسان المتمرّد": "الفن أيضًا هو الحركة التي تمجِد وتنكِر في آنٍ واحد.. ما من فنان يستطيع الاستغناء عن الواقع. الإبداع نشدانٌ للوحدة ورفضٌ للعالم. وهو يرفض العالم بسبب ما ينقصه، وأحيانًا باسم ما هو عليه".

من المؤكّد أن العاملين في جهاز الرقابة المذكور لا يعرفون عن الاقتباس ومصدره وصاحبه الكثير، ومن المؤكّد أن أوامرهم وبياناتهم لا تصدر أو تكتب بالجمال ذاته، على أن هذا لا يتعارض مع إثبات صحّة ما قاله كامو، والذي لا يحدّد وجود فنٍ متمردٍ وحسب، بل يجعل من إنتاج الفن عملًا تمرّديًا في حد ذاته.

فحين تُحكِم أجهزة الدولة قبضتها على وسائل الإنتاج الفنّي وتتحكّم بها لا يصبح الأمر مقتصرًا على إنتاج أعمالٍ بمقاسها، بل يغدو هدمًا لسقف التوقّع والمقارنة والجودة؛ وانطلاقًا من علاقة الاثنين (الجمال والتمرّد) تصبح السيطرة واضحةً أكثر؛ تشبه تلك الاقتصادية وتتعلقّ بها حتى، والجوهر ذاته: تكبيل الأفراد، وشغلهم بـ "الموجود" عوضًا عن "الممكن"، في شتى النواحي.

ولا مجال للشكّ في رضى جهاز الرقابة عن تأرجح "المرجيحة" هذا، بل إن إيقافها لاحقًا قد يترجمه الجهاز كمبررٍ لوجوده ودليلٍ على عمله في حماية الهوية الوطنية المصرية والتراث الفني من عدوته المطلية بالمكياج، والتي سيشبه كل أعدائه بها.


هذا النهر يصب في ذاك البحر
ليست القناعة بوجود جهدٍ ممنهج للتتفيه متعلقةً بدالي وحسب، فالصورة تتّسع لغيرها. ومن راقب الطريقة التي انتشرت بها هذه "الظاهرة" في الأيام الأخيرة لا شك أنه سيعزو غالب الفضل لأحمد حسن خليل، "الخليل كوميدي"، كما يُعرَف. فقد حرص "راسم البسمات" هذا على الترويج للأغنية ولـ دالي ولمقابلاتها التلفزيونية التي يثير عددها الإعجاب.

وهنا نطرح السؤال ذاته: ما هو السياق الذي يسمح لكارثةٍ متكلمة كـ الخليل كوميدي بالسطوع إلى هذا الحد، بحيث يتخطى الاكتفاء ويبدأ بالترويج للمواهب الصاعدة؟ سنقبل أن جزءًا من الإجابة يتعلق بـ السوشل ميديا والسرعة التي تتيحها لأشخاصٍ أحيانًا بالظهور بهذه السرعة. ماذا بعد؟ مقابلات تلفزيونية أيضًا، تقارير عن بداياته، ومزيد من الضجيج الذي يمدحه أو يذمه. وعند الحديث عن حالاتٍ مماثلة، قلّما يعني مضمون النقد إيجابًا أو سلبًا أي شيء، بل يبدو عديم الفائدة أمام رداءة هذه المنتجات، ويصبح عبارة عن مسرّع لشهرة الديدان هذه فقط.

ونظرًا لسجل مصر المخزي في ما يتعلق بحريّة الصحافة، نستطيع على الأقل أن نستشعر موافقةً عليا - أو إيعازًا حتى - بخصوص المساحة المخصّصة لهذا الكوميدي المخزي، والذي يقزّم مهنة "الكوميديان" ويبعد عنها أي طابعٍ مناهض أو متحدٍ للسلطة وهو ما عُرِف عنها على مر العصور.


أهلًا بكم إلى البقع السعيدة
ربما تقدّم لنا الشبح دالي، مشكورةً، المثال الصارخ. وربما يكون الخليل كوميدي الأثقل ظلًا. لكن هذا لا يعني أن المشكلة مصرية وحسب. وما علينا إلا النظر حولنا، ربما إلى "أغنية التعداد السكاني" التي لا شك أن موظفًا رسميًا أردنيًا يعتبرها نصرًا للحكومة، وتوظيفًا ذكيًا للفن. كلا، لا يكفي هذا المثال ولذلك فلننطلق إلى سورية، حيث يستشري نوع "الأغنية الوطنية" الفني، وما زال مستخدمو "السوشل ميديا" فيها حائرين بخصوص "محمود الحمش" بعد أن أفردت قناة سما له برنامجًا خاصًا.

لن يذكر أحد من حلقته الأولى سواء الهراء السطحي نفسه عن بعض "المسؤولين الفاسدين" و"بعض الانتهاكات" بخصوص "فيميه السيارات"، وحديث أوحى بمشكلة مناطقية لن يعرف أحد إن حدث بقصدٍ أو غير قصد، لأسباب الرداءة نفسها التي تبطل أي محاولة جادة لنقد هذه المواد بشكلٍ فردي. وليتتبع أي شاء تلك العلاقة بين الطبقات المسيطرة، المحكمة بقبضتها على وسائل الإنتاج، وما يُنتَج من تفاهات.


حبيبتي مارلين.. تحية طيبة وبعد
لنعد إلى السؤال الأول: متى يتحّسن الفن؟ أو بشكلٍ آخر: متى وكيف تحين النهضة الثقافية؟يخطئ كثيرون حين يظنون أن الإجابة ستستخلص من المجال بحد ذاته. سيقولون الكثير عن تأثير "الفيديو كليب" أو "البوب العربي"، بل إن بعضهم سيعطي مثالًا أو اثنين عن موسيقيين جدد يعيدون تذكيرنا بالماضي الذهبي، دلالةً على أن الحل يكمن في الإرادة والنيّة الطيبة واتقاء الله في العمل.

بدورنا، سنعود قليلًا إلى فالتر بنيامين ومقاله "الفنان بوصفه منتجًا" حيث تُطرَح فكرة بالغة الأهمية، تقول بإن إمداد أي جهازٍ إنتاجي دون تغييره لن يُحدث أي نتيجة، بل هو مسلكٌ يستحق اللوم. وحتى لو بدا العمل أو المنتج ذا طبيعة ثورية، لأن هذه الأجهزة تستطيع استيعاب كمية من الموضوعات هذه وتعميمها، حتى إنها تستطيع تحويل موضوعات مثل "الصراع ضد الفقر" إلى مادة للاستهلاك، كما يورد بنيامين.

ويمكننا تلمس بعض التقاطعات، سواءً عند الحديث عن بعض الفنانين الجدد أو الفرق الأوركسترالية ودور الأوبرا. لا شيء من هذا، في ظل الأنظمة السياسية الحالية، سينجح في تحقيق هذه "النهضة الثقافية". أي أن الحل لا بد أن يبدأ من تغييرٍ أعلى، أشدّ شمولًا من تجديد دار أوبرا أو استحداث قانونٍ ما. وفي حالاتٍ كهذه يمكن البدء فعلًا بقياس الجهود في الخلق والرفض.

وبغضّ النظر عما ستكتبه الأيّام القادمة لـ دالي حسن، من حيث زوالها أو عدمه، أو حلول نجم/ة جديدة/ة محلهّا، يبدو أفضل شيء نفعله الآن حيالها –بعد أن عرفناها وحلّت الكارثة-أن نذكرها كأنسب موسيقى تصويرية لألعاب الطواغيت، لابتساماتهم البلهاء وجهودهم التدميرية. إن كُتِب علينا ألا ننسى فليكن ذلك، فلتركب أرجوحتها، فليرفرف فستان مارلين مونرو "الممسوخة" أمام دار الأوبر المصرية، فلتكن ذكرياتنا عن هذا الحاضر دميمة أكثر ما يمكن. وعندما تحين تلك اللحظة، سنجد أن الخروج بنتيجةٍ أقبح أمرٌ صعب الحدوث.