أطفال يمنيون لن يخرجوا من البيت

04 يونيو 2019
الصورة
ثياب العيد (محمد حمود/ Getty)
يستقبل اليمنيون عيداً جديداً لا يختلف عن الأعياد التي مرت خلال السنوات الأربع الماضية. كثير من العائلات التي تعيش في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) تعجز عن توفير احتياجات العيد، وتتعامل معه كيوم عادي لا يختلف عن بقية الأيام. تقول النازحة أم سليمان محمد إنها لا تنوي الخروج وأطفالها يوم العيد بعدما عجزت عن شراء ثياب جديدة لهم. وتوضح لـ "العربي الجديد": "معظم الأطفال في المنطقة سيرتدون ملابس جديدة، وسيحصلون على المال والحلويات. سيتألم أطفالي في حال خرجوا من البيت".

تؤكد أم سليمان أنها حصلت على مساعدات غذائية ومالية خلال شهر رمضان قد تمكنها من شراء ملابس لأولادها الخمسة، لكنها تفضل عدم صرف ما حصلت عليه من مال لتوفر احتياجاتهم المعيشية خلال الأشهر المقبلة. تضيف: "أطفالي الكبار يتفهمون هذا الوضع. أما الصغار، فلا يفهمون ما يحدث من حولهم".

الموظف الحكومي في صنعاء محمد عبده، يقول إنه لم يشتر كسوة جديدة لأطفاله الثلاثة هذا العيد كما جرت العادة، بسبب ارتفاع الأسعار واستمرار انقطاع راتبه منذ نحو ثلاثة أعوم. يضيف لـ "العربي الجديد": "اكتفيت بشراء المكسرات وكعك العيد من أجل استقبال الضيوف بقيمة 20 ألف ريال يمني (40 دولاراً أميركياً)"، مستغنياً بذلك عن تفاصيل أساسية يحتاج لها البيت. ويلفت إلى أنه كان يُعد برنامجاً ترفيهياً متكاملاً لأسرته قبل كل عيد. إلا أن هذه الطقوس توقفت خلال السنوات الأربع الماضية بسبب تداعيات الحرب. ويشير عبده إلى أنه يعمل سائق سيارة أجرة لمدة تصل إلى 12 ساعة يومياً، "لتوفير بدل إيجار المنزل ومتطلبات الأسرة الأساسية اليومية".

وتبلغ المعاناة ذروتها في المناطق الريفية في اليمن، إذ تعيش معظم العائلات فقراً مدقعاً، ولا وجود لأية مظاهر للاستعداد للعيد.



وكبقيّة سكان مديرية بني سعد التابعة لمحافظة المحويت (غرب)، يعتمد المواطن محمد عبد الله، على المساعدات التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي وبعض المؤسسات الخيرية من حين إلى آخر، ما يجعل الاهتمام بتفاصيل العيد أمراً ثانوياً بالنسبة إليه. يقول لـ "العربي الجديد" إن الناس في قريته يكافحون للبقاء على قيد الحياة فقط، ولا يملكون المال لشراء أبسط متطلبات الحياة الأساسية، أو توفير مستلزمات العيد من ملابس للأطفال وحلويات. يضيف أن توفير متطلبات العيد يعد ثانوياً أو ترفيهاً تخلى عنه الناس منذ بدء الحرب قبل أكثر من أربع سنوات، خصوصاً بعدما فقد غالبيتهم أعمالهم في الزراعة وتربية المواشي نتيجة شح المياه، وتوقف الدعم المخصص للقطاع الزراعي في البلاد.

ويبقى أهالي اليمنيين المغتربين في الخارج أفضل حالاً من غيرهم، إذ لم يتأثروا بشكل مباشر بالتدهور الاقتصادي الحاصل في اليمن من جراء الحرب. في السياق، تقول أم مهند العمراني إن زوجها المغترب في المملكة العربية السعودية أرسل لها بداية شهر رمضان كل ما تحتاجه للاستعداد للعيد. تضيف لـ "العربي الجديد": "اشتريت كسوة العيد لأطفالي والمكسرات والعصائر والكعك على الرغم من الارتفاع الجنوني للأسعار".

وإن كان حال أم مهند أفضل من غيرها بكثير، إلا أنها تشكو عدم توفر غاز الطهي، "وهذا ما ينغص فرحة العيد. سنطبخ الطعام على الحطب يوم العيد". وتطالب السلطات المحلية في صنعاء بتوفير الغاز المنزلي في المحطات المنتشرة في الشوارع أقله أيام العيد، لافتة إلى أنها تنوي اصطحاب أطفالها يوم العيد إلى الملاهي في صنعاء، والسفر ثاني أيام العيد إلى بلدها في محافظة عمران (شمال).

وأدى ارتفاع أسعار ملابس الأطفال إلى ركود في عملية البيع قبل عيد الفطر، بخلاف السنوات السابقة بحسب أكرم حيدر، صاحب محل لبيع ملابس الأطفال في منطقة باب اليمن. يؤكد أن بيع ملابس الأطفال تراجع بنسبة 40 في المائة هذا العام بالمقارنة مع العام الماضي. يضيف لـ "العربي الجديد": "مواطنون كُثر يزورون المحل بشكل يومي ويكتفون بمشاهدة البضائع أو يسألون عن سعرها فقط ويرحلون. أعرف أن الأسعار مرتفعة، لكن الأمر ليس في يدنا. تجار الجملة يتحملون مسؤولية ارتفاع الأسعار. ومحال التجزئة تشتري بسعر مرتفع وتبيع وفقاً لذلك". ويشير إلى أن أصحاب محال بيع الملابس يعتمدون على إيرادات البيع في مواسم الأعياد لتسيير أمور بقية أشهر السنة. ويرى أن "تراجع عملية البيع يجعلنا في وضع صعب للغاية".



جنوباً، تسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية في إحجام كثير من العائلات القاطنة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية عن شراء احتياجات العيد. في السياق، يؤكد عبد الرحيم عمر، وهو من سكان محافظة عدن، أنه قلّل من كمية الحلويات بالمقارنة مع السنوات السابقة. ويقول لـ "العربي الجديد": "أسعار المواد الغذائية بما فيها الحلويات تضاعفت في الآونة الأخيرة، ورواتبنا قليلة جداً، وليس أمامنا إلا تقليل المشتريات".

ولا يتقاضى أكثر من مليون موظف حكومي في المناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله (الحوثيين)، رواتبهم منذ توقفها في سبتمبر/ أيلول في عام 2016. ويعتمد كثير من اليمنيين على المساعدات الإغاثية التي تقدمها المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني منذ بدء الحرب في مارس/ آذار في عام 2015، بحسب الأمم المتحدة، التي أكدت أن اليمن يمر بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، ويحتاج 80 في المائة من سكانه (24 مليون شخص) إلى المساعدات الإغاثية العاجلة.