أطفال يقسمون وقتهم بين العمل والمدرسة

أطفال يقسمون وقتهم بين العمل والمدرسة

04 مارس 2017
الصورة
معظم الأطفال يعملون في الزراعة (العربي الجديد)
+ الخط -
حضر الطفل محمد الشبامي فصله الدراسي المسائي مجهداً بعيون محمرة ووجه ملطخ وملابس مغبرة وسط نظرات شفقة واضحة من زميله عمر الجالس إلى جواره. يقول الأخير: "لا أتضايق من هيئة محمد، لكن أشفق عليه من قوة التزامه بالعمل في جمع قوارير المياه وبيعها طوال الصباح والحضور إلى المدرسة مساءً من دون أن يتناول ما يكفيه على الغداء. لذلك، تضيف أمي سندويشاً في حقيبتي لأجله".

في الوقت الذي دفعت الحرب والفقر بنسبة خطيرة من الأطفال في سن التعليم المدرسي إلى سوق العمل في اليمن، دفعت بآخرين إلى الجمع ما بين التعليم والعمل في آن واحد، ما يعرّضهم إلى مشاكل صحية، ويضع الطفولة ونظام التعليم في هذا البلد الفقير على محك الضياع جراء تداعيات الصراعات. تعمل غالبية هذه الفئة من الأطفال في الأنشطة الزراعية والإنتاج الريفي وهي ضمن الأعمال الخطرة بحسب تصنيف منظمة العمل الدولية، بسبب تعرض الأطفال لأضرار صحية خطرة من المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية والمعدات الزراعية والإجهاد الجسدي. يقول التلميذ حسين غالب (14 عاماً) إنّه نزح من منطقة حيران، غرب اليمن، للعمل في مناطق مختلفة بشمال صنعاء في قطف نبتة القات المنبهة، لكنّه ما زال يواظب على الدراسة. يعلّق: "يوصيني والدي دائماً بعدم ترك التعليم، فهو يقول إنّ ذلك سيؤمّن مستقبلي كما أمّن مستقبل كثيرين من أبناء قريتي الذين أصبحت لديهم وظائف جيدة في المدينة".

وعلى الرغم من عمله المسائي، يضطر غالب أحياناً إلى التغيب عن المدرسة في الصباح من أجل مشاركة أصدقائه في رش المبيدات التي يحمل صفيحتها على ظهره. يقول: "أحتاط عادة، لكنّ بعض القطرات تصل إلى ظهري أو يديّ أحياناً فتسبب لي حساسية في الجلد، وأضطر عندها إلى التغيب بضعة أيام عن المدرسة، أو أقصّر في أداء فروضي".



مؤسسات التنمية الحكومية التي تجتذب التلاميذ المتسربين وتعيد دمجهم في التعليم لم يبق منها غير واحدة. تدير هذه المؤسسة برنامجاً لتقوية مهارات التلاميذ في القراءة والقدرات المعرفية وتوجيه مهاراتهم التعليمية بما يفي باحتياجات السوق المحلية وبما يناسب أعمارهم، مع دفع كلفة الانتقال لهم وبعض المصاريف. هدى السقاف إحدى المدرسات في البرنامج في جنوب البلاد، تشير إلى أنّ التعلم والعمل في الوقت عينه، لا يختلف كثيراً عن التسرب من التعليم النظامي في ما يتعلق بضعف التحصيل. تقول: "انعدام منح الأطفال حقوق طفولتهم ونموها بشكل طبيعي ليس أكثر من مأساة مزمنة يتحملها الأطفال مدى حياتهم من الناحية النفسية والاقتصادية وقد يرثهم فيها أبناؤهم". تنتقد اقتصار اهتمام المنظمات الدولية على الجانب الإغاثي وترك التعليم وتأثيرات الحرب على تعليم الأطفال بلا دعم حقيقي.

في ما يتعلق بالبرنامج، تقول السقاف، إنّ تصرفات التلاميذ الذين يحضرون تبدو أكبر من سنهم بكثير من ناحية الحديث والهدوء وانعدام النشاط الزائد المعتاد من الأطفال. وتضيف: "لا أستطيع أن أعاملهم كأطفال يصغرونني سناً حين يكررون كثيراً عبارة من نوع: لقمة العيش. لكنّي أشعر بالارتياح لإدراكهم، أنّ التعليم هو الحل لمشاكلهم. وقد طلبت من أحدهم التوقف عن التغيب عن حضور دروس البرنامج، فأجابني، إنّ التعليم فقط من دون عمل في هذا الوقت لا يسمح له ولأسرته بالبقاء على قيد الحياة".

وكان التصعيد العسكري في اليمن، منذ مطلع عام 2015، قد أدى إلى قطع الطريق على جهود حثيثة كانت تستهدف دعم الطفل العامل. فقد كان "البرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال" التابع لمنظمة العمل الدولية على وشك الانتهاء من تحديث خطة العمل الوطنية لمكافحة عمالة الأطفال في اليمن بأنشطة توعوية وتدريبية واقتصادية لأسر الأطفال العاملين.

ويبلغ عدد الأطفال في سن التعليم (بين 5 و17 عاماً) 7.7 ملايين طفل يمثلون 34 في المائة من إجمالي عدد السكان. وتشير دراسة عن عمالة الأطفال في الدول العربية تعود إلى عام 2015 إلى أنّ اليمن تصدرت القائمة بتسرب 1.8 مليون طفل من التعليم، والتحاق 1.6 مليون طفل بسوق العمل. وتقول الدراسة الصادرة عن منظمة العمل الدولية، إنّ معظم هؤلاء الأطفال يجمعون ما بين الدراسة والعمل. وتلاحظ كذلك أنّ معظم الأطفال الذين يجمعون ما بين التعليم والعمل يحصلون على درجات متدنية، بعكس أقرانهم غير العاملين.