أطفال مدخنون في مصر

19 فبراير 2019
الصورة
ما زال صغيراً على التدخين (محمد الشاهد/ فرانس برس)
+ الخط -

تسبّب حشو المناهج الدراسية في مصر، والروتين وعدم توافر أيّ وسائل ترفيهية داخل المدارس، وازدحام الفصول، والظروف النفسية والاجتماعية السيئة، في هرب التلاميذ من المدارس، سواء عن طريق الأبواب المفتوحة أو الأسوار بلا رقيب أو زجر من المسؤولين. وحال هربهم يتسكع التلاميذ في الشوارع والمقاهي لتدخين السجائر والشيشة، من دون رفض أصحابها للأطفال، متجاهلين تسربهم خلال الدوام المدرسي. وينفق التلاميذ على التبغ من مصروفهم الخاص وبالتشارك في ما بينهم، وربما يلجؤون إلى السرقة من منازلهم أو من الشوارع.

يبيع عدد من المحالّ التجارية السجائر للأطفال ما بين 10 سنوات و12 سنة، في مخالفة للقانون الذي يمنع بيع التبغ لمن هم دون 18 عاماً. ويعيد مراقبون مصريون تدخين الأطفال إلى عدة أسباب، من بينها الهرب من المدارس، الذي لم تستطع وزارة التربية مواجهته. ويحمّل المراقبون انشغال المدارس بالدروس الخصوصية وحشو الكتاب المدرسي، إلى وجود فوضى عارمة فيها، مشيرين إلى أنّ تدخين الأطفال له آثارٌ سلبية على مستقبلهم الدراسي والاجتماعي، كما يتعرضون لسموم خطيرة في الجو والمناخ الموبوء صحّياً واجتماعياً ونفسياً.

من جهته، يشير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أنّ تدخين السجائر في سنّ صغيرة يمثل مشكلة اجتماعية خطيرة، لافتاً إلى أنّ أكثر من 75 في المائة من هؤلاء المدخنين الأطفال يستمرون في العادة السيئة. يتابع أنّ من الأسباب النفسية والاجتماعية التي تؤدي للتدخين، غياب القدوة، وفقدان دور الأسرة، والتفكك الأسري، والضغوط النفسية والاجتماعية على الأطفال، فضلاً عن غياب الدور المدرسي الكبير في الحفاظ على النشء خلال مراحل تعليمه الأولى.




يقول الخبير بالمركز الدكتور سيد إمام، إنّ انتشار المقاهي بات مثل النار في الهشيم، سواء حول المدارس أو في الشوارع بلا رقيب عليها، مؤكداً أنّ أكثر من 40 في المائة منها غير مرخص، وخصوصاً في المناطق الشعبية، كما أنّها لا تستوفي الإجراءات القانونية والصحّية والبيئية، وقد تسبب انتشارها في ارتياد الأطفال لها، منوّهاً بأنّ انتشار المقاهي بات مزعجاً، إذ تفتح أبوابها حتى الساعات الأولى من الفجر، وربما على مدار اليوم بأكمله. ويشير إمام إلى أنّ من أسباب تدخين الأطفال وجود نماذج سلبية في وسائل الإعلام، وخصوصاً الوسائل المرئية، وانخفاض الوازع الديني والأخلاقي، كما تعتبر الأعمال الدرامية من أكثر الوسائل تأثيراً في زيادة نسبتهم، إذ يتخذ الأطفال الفنانين قدوة في التدخين، كما يلجأ كثير من الأطفال إلى التدخين في محاولة لتقليد أحد الوالدين، مؤكداً أنّ التدخين يؤدي إلى أمراض خطيرة للأطفال لضعف مناعتهم، كسرطان الفم والحنجرة والرئة وأمراض القلب، وزيادة نسبة الإصابة بالتهابات الأذن وربما يؤدي إلى الوفاة.

من جهته، يقول القانوني والناشط الحقوقي فتحي عبد العزيز إنّ تدخين الأطفال في المراحل الابتدائية مستحدث في الشارع المصري، موضحاً أنّ الأطفال سواء مَن هم في المدارس أو من تسربوا منها، يشجعون بعضهم البعض على التدخين، ويجمعون أعقاب السجائر ويجرّبونها، وهو شيء لم يكن يحدث من قبل. يتابع أنّ قانون منع بيع التبغ بأنواعه المختلفة لمن تقل أعمارهم عن 18 عاماً خارج حيز التنفيذ، إذ يبيع التجار وأصحاب المقاهي التبغ من دون رقابة الجهات المسؤولة، مشيراً إلى أنّ المدارس لا تقوم بدورها، وقد وصل الأمر بالمعلمين أنفسهم إلى التدخين أثناء طابور الصباح وفي حجرات الفصول، ما يؤدي إلى التدخين السلبي، وربما تقليد المعلمين.

ويطالب عبد العزيز الأجهزة المسؤولة من خلال وزارة التنمية المحلية والبيئة، والمحافظين ورؤساء الأحياء وشرطة المرافق القيام بدورهم، من خلال سدّ الطريق أمام انحراف الأبناء، بتطبيق القانون وذلك بإقفال المقاهي المخالفة التي تسمح للأطفال بالجلوس، حرصاً على صحّتهم ومستقبلهم، وتشديد الرقابة على من تسوّل له نفسه تشجيع الأطفال على التدخين. ويوضح أنّ جهل أولياء الأمور سبب من الأسباب التي تؤدي بالطفل إلى التدخين، ما يمكن أن يؤدي به إلى تعاطي المخدرات لاحقاً.



في السياق، تلفت أستاذة علم الاجتماع بجامعة "عين شمس" الدكتورة سامية خضر إلى أنّ المشاكل الاجتماعية التي ينشأ فيها الطفل، ومن بينها التفكك الأسري، والظروف الاقتصادية والنفسية، ومشاكل التعليم، ورفاق السوء، من دون أن يجد من يحنو عليه داخل المدرسة أو البيت، تؤدي به إلى التدخين. كذلك، يقلد الأطفال الكبار بانتحال سلوكات مجتمعية تضر بصحتهم لاحقاً، وربما تؤدي ببعضهم إلى الانحراف والاتجاه للتدخين الدائم. وقد يلجأ الطفل إلى التدخين لاعتقاده بأنّ ذلك قد يكون حلاً لبعض الضغوط النفسية أو الاجتماعية التي يتعرض لها، كما أنّ وجود الفراغ في حياة الطفل من الأسباب المؤدية إلى ذلك، كما تقول. وتطالب بضرورة أن تركز البرامج التلفزيونية والسينما على السلبيات ومناقشة قضايا التدخين والمخدرات وتأثيرها السيئ، وزيادة حملات التوعية الإعلانية.