أطفال عراقيون ضحايا "داعش" نفسياً

02 فبراير 2020
الصورة
داعش خلّف حالات نفسية صعبة بين الأطفال(زيد العبيدي/فرانس برس)
+ الخط -
كان لمعارك القوات العراقية مع تنظيم الدولة الاسلامية أثر نفسي وجسدي على السكان، حيث كان التنظيم يتخذ منهم ومن أحيائهم السكنية دروعاً بشرية، وأصابت الأمراض النفسية إثر إرهاب "داعش" الكثيرين، ومن بينهم أطفال

تشكو عوائل كانت تسكن في مناطق خضعت لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية من حالات اضطراب نفسي وعصبي وخوف ينتاب أطفالهم، وذلك نتيجة الممارسات العنيفة التي كانوا يشاهدونها تحت حكم داعش، والرعب الذي عاشوه وهم تحت القصف في معارك التحرير. وعلى الرغم من مرور أكثر من عامين على تحرير القوات العراقية آخر مناطق البلاد من سيطرة داعش، يبدو أن التأثيرات النفسية على الأطفال لم تنته بالرغم من مرور هذا الوقت.
يشكو والدان عراقيان من سيطرة الخوف على أفراد أسرتهما كلما حلّ الليل، إذ يبقيان على إنارة الأضواء حتى شروق الشمس للتخفيف من خوف أولادهما الخمسة (تراوح أعمارهم بين 11 و18 عاماً). وقبل المغيب يكون الجميع موجودين داخل البيت في غرفة واحدة. يقول الأب سعيد المحمدي، لـ"العربي الجديد": "سبب الخوف الذي ينتاب أفراد أسرتي هو جريمة بشعة ارتكبها عناصر من داعش في قريتنا ليلاً، حيث قتلوا مجموعة من شبان القرية أمام أنظار العوائل، وتناثرت دماء هؤلاء الشبان وأجزاء من أجسادهم على جدران منزلنا. حينها كان أكبر أبنائي أحمد، وعمره 13 عاماً، أكثر أفراد أسرتي رعباً، ولم ينم لنحو أسبوع كامل".




يضيف: "هم اليوم في حال أفضل بكثير. قبل سنوات كان الخوف ينتابهم طيلة اليوم، أما الآن فيسيطر الخوف عليهم ليلاً فقط. صاروا ينامون بشكل جيد، لكن يجب أن تكون مصابيح الكهرباء في البيت كلها مضاءة، ما يجعلني أتحمل مصاريف إضافية لاعتمادي على مولد كهربائي، إذ ينقطع التيار باستمرار خلال الليل".

على الرغم من معاناة عائلة المحمدي، إلا أنها تعتبر أفضل حالاً من غيرها، التي أصيب افرادها بصدمات نفسية شديدة. فالطفلة منار كانت بعمر 7 سنوات حين رأت جثة رجل وقد قطع رأسه وترك مصلوباً على قارعة الطريق لعدة أيام ليكون عبرة لغيره ممن يعتبرهم تنظيم داعش جواسيس لصالح القوات العراقية.

كان هذا في شمال مدينة الموصل، نهاية عام 2014، ومنذ بدأت معارك تحرير منطقتهم في العام 2016 وأعلن رسمياً عن تحرير الموصل في العام 2017، انطلق الوالدان بابنتهما الوحيدة إلى بغداد لعرضها على اختصاصيين، وكان التشخيص أنها "تعاني من صدمة عصبية"، ونصيحتهم كانت الابتعاد عن مدينتهم والعيش في مكان هادئ يمارس فيه الأطفال هواياتهم ويلعبون بحرية.

يروي والد منار، مثنى النعيمي، لـ"العربي الجديد"، أنه لم يعد يرى في بلاده مكاناً آمناً. يقول: "في كل مكان هناك جرائم وهناك مليشيات، والوضع الأمني غير مستقر ولا يوجد ما يطمئن بأن الوضع قد يتحسن قريباً، وعليه قررت السفر والاستقرار في تركيا حيث يوجد لديّ معارف من أبناء مدينتي".

منار وبعد أربعة أعوام من تلقيها العناية الطبية اللازمة على يد طبيبة مختصة في مستشفى بتركيا، تحسنت حالتها كثيراً، بحسب ما يوضح والدها، "لكنها تصرخ حين ترى اللون الأسود أو الدم حتى وإن كان على شاشة التلفزيون، وتجفل أثناء نومها بشكل مستمر، إذ ترى الكوابيس وفيها القتل والدم".

وتسببت سيطرة تنظيم "داعش" على مساحة بلغت نحو ثلث البلاد، بتدمير كبير في البنى التحتية، إضافة إلى ما خلفته من أضرار بشرية لأكثر من عشرة ملايين شخص من سكان المناطق التي سيطر عليها التنظيم، بين قتلى ومصابين وذوي إعاقة ومغيبين في السجون ومهجرين.

وكان لمعارك القوات العراقية مع تنظيم "داعش" أثر آخر على السكان، حيث كان التنظيم يتخذ منهم ومن أحيائهم السكنية دروعاً بشرية. ويتحدث رافد حسان، الذي يبلغ من العمر 17 عاماً، عن أجساد مهشمة وجثث متناثرة في الشارع الذي يقطنه في الموصل.

رافد يحضر جلسات أسبوعية عند طبيب مختص بالأمراض النفسية. يقول لـ"العربي الجديد": "أعاني من نوبات أرق تنتابني باستمرار، وأصبحت أفضّل العزلة وعدم الاختلاط مع الآخرين، حتى مع أفراد أسرتي". يؤكد أن "صور وجوه عناصر داعش وأشلاء القتلى تراودني باستمرار. راجعت الكثير من الروحانيين، وأنفق والدي كل ما يملكه من مال لتتحسن حالتي، وأعتقد أنني أتحسن مع الوقت، إذ أصبحت أتحدث قليلاً مع الآخرين. جلسات العلاج أشعرتني بشيء من التحسن".

في هذا السياق، يؤكد مختصون أن عدداً كبيراً جداً من الأشخاص يفوق ما هو متوقع، هم مصابون بأمراض نفسية نتيجة سيطرة "داعش" على مدنهم، ويشددون على أنه "من الضروري أن يراجع هؤلاء الأشخاص الأطباء النفسيين لتتحسن أحوالهم".




في السياق، يشير الطبيب النفسي وليد العزي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن الحالات المرضية الناتجة عن أفعال "داعش" تتمثل في أغلب الأحيان بـ"الشعور بالتعب والقلق والخوف المفرط من الظلام ومن الأسلحة ومن الأصوات العالية ومن رؤية أي مظاهر عسكرية أو مشاهد عنف". ويشرح أن البعض قد يعاني من التبول اللاإرادي عند استعادة ذاكرته لما حدث أمامه من مواقف مرعبة، والبعض الآخر قد تنتابه هستيريا شديدة. يضيف: "هذه الحالات بالإمكان أن تتطور إذا لم يتم التعاطي معها من قبل اختصاصيين نفسيين، وإهمالها قد يؤدي إلى أمراض عضوية، كون بعض الأشخاص حين تنتابهم حالات الخوف هذه يشعرون بالدوار، وآلام في الرأس، وخفقان سريع في القلب، وغثيان أو ضعف عام في الجسد، فلا يمكن لهؤلاء الأشخاص النهوض وأداء أي عمل".