أطفال الجزائر أكثر تطلباً اليوم في عيد الفطر

15 يونيو 2018
الصورة
هذا هو عيد اليوم (فايز نور الدين/ فرانس برس)
+ الخط -

بين زمنَين، ترتسم ملامح مختلفة لعيد الفطر في الجزائر، وبين "البارحة واليوم" رائحة ونكهة مختلفتان، إلى جانب قصص مختلفة عن عيد الفطر، أو العيد الصغير، مثلما يطلق عليه الجزائريون.

في بلدة الساحل بولاية تيبازة، غرب العاصمة الجزائرية، ثمّة طقوس وتقاليد خاصة بعيد الفطر. قبل أيام من العيد، كان سكانها يقصدون سوقاً شعبياً يقام أيام الثلاثاء في منطقة حجوط القريبة، لشراء ملابس العيد والأحذية لأطفالهم وكذلك للتزود ببعض الحاجيات الأخرى، لا سيّما التوابل التي تدخل في صناعة حلويات العيد التي تختلف من منطقة إلى أخرى. إلى ذلك، كان الأطفال يتزاحمون عند الحلاقين الذين يسهرون حتى ساعة متأخرة في الليلتَين اللتَين تسبقان العيد، بهدف إنجاز أكبر عدد قصّات للأطفال. ويتذكر نور الدين، الذي صار ميكانيكياً معروفاً في البلدة تلك التقاليد، فيقول: "لم تكن محال بيع الملابس كثيرة في السابق مثلما هي الحال اليوم، كذلك كانت البضائع فيها غالية الثمن، لذا كان لزاماً على عائلاتنا التوجه إلى السوق الشعبي في منطقة حجوط. من جهتنا، كنا نرافق الوالد لشراء ملابس العيد". يضيف: "وبعد الانتهاء من الحلاق، كنا نضع الحناء قبل النوم ونغلّف أيادينا بورق الصحف، بعدما تلفها الوالدة بقطعة قماش حتى تجفّ الحناء".

تسوّق قبيل العيد (العربي الجديد) 

وثمّة تقليد ما زال الجزائريون يحاولون الحفاظ عليه، خصوصاً الأطفال، وهو العيدية. فأطفال اليوم أكثر حذاقة من أطفال الزمن الماضي وأكثر فهماً لطبيعة النقود. وإذا كان أطفال الزمن الجميل يرضون بقطع نقدية من فئة دينار أو خمسة دنانير، فإن أطفال زمن "فيسبوك" لا يرضون إلا بالقطع والأوراق النقدية ذات القيمة الكبرى. ويتذكر محمد بو النوار، وهو مدرس لغة إنكليزية متقاعد في منطقة تيبازة، بعض التفاصيل المرتبطة بالعيد، ويقول: "صباح العيد كنا نبكر لغسل أيدينا من الحناء، ونرتدي ملابسنا، ونترصد للوالد والوالدة ولكل أقاربنا وجيراننا حتى نحصل منهم على قطع نقدية تسمح لنا بشراء الألعاب التي يعرضها الباعة في ساحة المدينة وأزقتها". يضيف: "لقد كان زمناً صعباً اجتماعياً لكنه كان جميلاً بكل المقاييس. وكانت العائلات تعبّر عن تضامن جميل، فتعمد صباح العيد إلى ما يعرف بالفطرة، وهي كناية عن خبز رقيق منزلي الصنع وكسكسي باللبن، توضع في ساحة الحيّ أو بالقرب من المسجد ليأكل منها المصلون والملة وسكان الحيّ".

ترفيه للأطفال في العيد (العربي الجديد) 

وسكان الأحياء الشعبية القديمة في العاصمة الجزائرية ما زالوا يتذكرون طقوساً عدّة كانت تميّز الاحتفال بعيد الفطر وتناقلتها العائلات الجزائرية. فيقول سيد علي، من حيّ القصبة العتيق، إنّ "العيد كان له طعم أحلى بالمقارنة مع الزمن الحالي. في زماننا، عندما كنا صغاراً، كانت للعيد طقوس خاصة، أبرزها استعدادات الأسر والجيران. فكان سكان الحيّ يجتمعون ويتكاتفون لتنظيف الأحياء الضيقة عشية العيد. وبينما يهتم الرجال بتزيين الأحياء في القصبة العتيقة، كانت النساء تهتم بصنع الحلويات، خصوصاً البقلاوة والمقروط، فضلاً عن حلويات أخرى تزيّن صينية قهوة العيد الصباحية. وتعدّ العائلات هذه الحلويات فأل خير في استقبال العيد".

إلى ذلك، كانت للعيد أغانيه في الجزائر. ولم يكن يمرّ من دون موسيقى بوعلام تيتيش وفرقته الشعبية، وتشهد على ذلك أزقة حيّ القصبة العتيق. كذلك تتردد أغنية الفنان الراحل الحاج مريزق "يا محلى نهار اليوم مبروك عيدكم"، إلى جانب أغنية أخرى اعتاد الأطفال ترديدها باللهجة الجزائرية الشعبية "غدوا العيد يا بوزيد التحفيفة (الحلاقة) والقش (الملابس) جديد". ويعني ذلك أنّ العيد غداً فافرحوا بلباسكم الجديد وبحلاقة شعركم.




عيد الفطر هو عيد الفطر، لكنّ الظروف تغيّرت وتبدّل المجتمع الجزائري من نواحٍ عدّة فتغيّرت معه طقوس كثيرة، في حين أنّ بعضها اختفى. واليوم، الطفولة هي الطفولة ببراءتها، غير أنّ أطفال اليوم باتوا أكثر إلحاحاً وتطلباً واستقلالية في ما يخص ملابس العيد وغيرها. إلى ذلك، فقد ساهم خروج المرأة إلى العمل في تراجع الاهتمام بتقاليد كثيرة، إذ إنّ العائلات راحت تلجأ إلى حلويات العيد الجاهزة بدلاً من صنعها في البيوت. في السياق، اختفت مظاهر كثيرة من قبيل الفطرة وسقاية المصلين صباح العيد في بلدات كثيرة، وصارت العائلات تحتفل بالعيد في المتنزهات في اليوم الثاني منه. كذلك، كان للتكنولوجيا دورها، إذ صارت تهاني العيد تبعث في رسائل قصيرة عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي. هكذا، استغنى كثيرون عن التواصل المباشر والزيارات والتغافر وصلة الرحم.