أطفال "رابعة"

أطفال "رابعة"

14 اغسطس 2015
الصورة
ربما لن يهتم أحد بهؤلاء، قبل مجزرة جديدة (الأناضول)
+ الخط -

وقف الطفل ينتحب فوق جثمان أمه القتيلة، يستحلفها بالله أن تستيقظ، هو لا يدرك بسنوات عمره القصيرة وإدراكه المحدود أنها غادرت دنيانا، وأنه لن يستطيع أن يراها بعد الآن.

ظل الطفل يكرر على أمه المسجاة على الأرض غارقة في الدماء، نداء يطالبها فيه بأن تجيبه كما اعتاد دوما أن تفعل عندما يحدثها، "بالله عليكي يا ماما قومي"، يقول الطفل وفق مشاهد فيديو شهيرة أبكت الآلاف.

الأم المصرية الشابة كانت إحدى مئات الأنفس التي أزهقت في مجزرة مروعة لم تشهد مصر في تاريخها الحديث لها مثيلا، الطفل المنتحب كان واحدا من آلاف الأطفال الذين فقدوا أهلهم في تلك المجزرة، وغيرها من المجازر.

انقلب الجيش، مستغلاً تظاهرات تم تجهيزها، على الرئيس الشرعي المنتخب، والرئيس لم يحرك ساكنا للتصدي للمؤامرة رغم وضوحها، ورغم تحذيرات وصلته من شخصيات في الداخل والخارج.

قرر أنصار الرئيس اللجوء إلى وسيلة الاحتجاج التي خرجت بها البلاد من ثورة يناير 2011، اعتصموا في أحد ميادين العاصمة، تحدوا سلطات الانقلاب التي تملك السلاح والإعلام، وتحدوا الرافضين للثورة على مبارك الذين يعرفون بـ "الفلول"، والذين انضم إليهم لاحقا كثير ممن شارك في الثورة.

تم تمهيد الأرض لقتل المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، قام الإعلام بدوره، وقامت المؤسسة الدينية، المخترقة أمنيا منذ عقود، بدورها، كما قامت جهات وشخصيات أجنبية بدورها في مؤامرة تمت حياكتها، رغم أن هؤلاء كان يتم تقديمهم، وقتها، باعتبارهم وسطاء لإنهاء الأزمة.

تم الهجوم على الميدان بزعم فض الاعتصام، ليتضح لاحقاً أن الخطة الحقيقية كانت قتل أكبر عدد ممكن من المعارضين. وقع القتل وسالت دماء المئات، بينهم نساء وأطفال وكهول، لتظهر كالعادة جدلية "قتلهم من أخرجهم"، رداً على حقيقة أن من أطلق الرصاص هو من قتلهم.

جلس كثيرون لاحقا يتناقشون ويحللون ويتجادلون حول الواقعة، ما بين من يصفها بالمجزرة ومن يعتبرها شراً لا بد منه، ومن يبررها ويتهم من يهاجم مرتكبيها بالخيانة والعمالة.

لكنّ أحدا لم يبحث عن هذا الطفل الذي راحت أمه ضحية رصاصات غادرة أمام عينيه، أو غيره من الأطفال والشباب الذين قُتل آباؤهم وأمهاتهم وأخوتهم برصاصات عشوائية، بل أحرق جثمان بعضهم بعد قتله. لم يسأل أحد هؤلاء الصغار عن موقفهم من النظام الذي قتل ذويهم، ولم يهتم أحد بحالتهم النفسية والاجتماعية، وربما لا يعرف أحد إن كان بعض هؤلاء هم من يقتلون الجنود في أنحاء البلاد الآن.

ربما لن يهتم أحد بهؤلاء، حتى تقع مجزرة جديدة. ليبدأ مجددا التحليل والنقاش والجدال.

اقرأ أيضاً: بوصلة الهروب

المساهمون