أضاحي العيد

01 اغسطس 2020
الصورة

في أحد أيام عيد الأضحى المبارك، في بدايات حياتي في القاهرة، سألني بوّاب العمارة التي أقطن فيها مستغربا: لماذا لا أشتري أضحية العيد وأوزعها على المحتاجين كي أكسب ثوابا وأجرا من رب العالمين؟! أتذكر أنني أجبته يومها بأن لمساعدة المحتاجين طرقا كثيرة، قد تكون أكثر ثوابا وأكثر أهمية للمحتاج من قطعة لحم تُعطى له في يوم معين. يومها كان في جوابي شيء من التنمر في الحقيقة، أعترف بذلك، لكنني كنت مستاءة من مشهد الذبح والذبائح في الشوارع ورائحة الدم التي تنتشر صبيحة عيد الأضحى، وهي إحدى العادات المصرية التي لم تكن معروفة كثيرا في سورية، أقصد ذبح الأضحية في الشارع بهذه العلنية. ولحسن الحظ، أنها ألغيت في السنوات اللاحقة بقرارات رسمية مصرية، فقد أصبحت هناك أماكن مخصصة لذبح الأضاحي تُبعد رائحة الدم عن الشوارع والأحياء السكنية والتجارية. 

وفي كل عام مع اقتراب عيد الأضحى، تستعيد وسائل التواصل الاجتماعي العربية نقاشا يبدو أنه لا ينتهي، بين رافضي فكرة الذبح، من منطق خلو الفكرة من الإنسانية والرحمة، (معظم هؤلاء من رافضي أكل اللحوم عموما، من متبعي النظام الغذائي النباتي، الذين يرون في أكل اللحوم طقسا وثنيا عنيفا وقاسيا، يجب أن تتجاوزه الحضارة الإنسانية البشرية)، ومؤيدي فكرة الأضحية والذبح (وهؤلاء في معظمهم من المتدينين الذين يعتبرون دعوة اللاذبح ضمن الحرب التي تشن على الدين الإسلامي). ويحتد النقاش طبعا وتبادل الاتهامات بين "الملحدين" و"المتطرّفين"، من دون أن يترك أحدهما مجالا لسماع وجهة نظر أخرى قد تكون بين الاثنين. ولكن ككل النقاشات العربية، بعد انتشار وسائل التواصل، لا يوجد هناك مكانٌ لوجهة نظر ثالثة بين وجهتي النظر المتصارعتين، كل طرفٍ يتهم الطرف الآخر بالتطرّف. وفي الحقيقة، الطرفان متطرفان، وليسا مستعدين لتقبل أي رأي مختلف. وهذا، للأسف، مجرّد مثل واحد على حالنا، نحن العرب، مع معظم القضايا الخلافية، وإن كنت أرى أنها مرحلة لازمة وطبيعية في سياق ما يحدث، وفي سياق التغيير الذي سيأتي يوما ما، وسوف يطاولُ، في طريقه، كل المفاهيم وما يُفترض أنها بديهيات في مجتمعاتنا. على الأقل، هذا ما يؤكده التاريخ وتجارب الشعوب السابقة، إذ ثمّة تلازم شديد الوضوح بين التغيير السياسي والتغيير الاجتماعي المتجذّر بعقيدةٍ دينية ما، فلا يمكن إجراء تغيير في معزلٍ عن الآخر. وكل الافتراقات والانتكاسات التي حدثت للربيع العربي طبيعية، ولا بد من حصولها قبل التغيير النهائي، مهما كان أمل التغيير بعيد المنال، لكنه قادم ذات يوم لا محالة. 

أفكّر الآن، بعد مرور سنوات على سؤالي عن عدم ذبحي أضحيةً لكسب الثواب والأجر، إننا أحيانا نلقي إجاباتٍ عن أسئلة ما من دون أن نفكر بما ستكون ردة فعل السائل، هل يحقّ لي أن أجيبه بما أجبته وقتها؟ من أنا أساسا لأقرّر ما هو الأكثر ثوابا لدى رب العالمين؟ بأي حقّ أقرّر أن محتاجا قد لا يرى في قطعة لحم كبيرة صبيحة العيد أنها هي العيد بحد ذاته؟ أدرك جيدا أن تعليم طفل أو تأمين دخل شهري لمحتاج، أو التبرّع لمشفى يقدم العلاج مجانا للأطفال والمرضى المحتاجين، هو شيء فائق الأهمية، وربما، لمن يؤمنون بفكرة الثواب، سوف يحظى من يقوم بهذا بأجر وثواب كبيرين. ولكن أيضا، أعرف أن في "بلادنا العظيمة"، من ينتظرون عيد الأضحى كي يقدّموا لأولادهم فرحة طعام يحلمون بتذوقه. نعم، أيها السادة، في بلادنا فقرٌ أسود وأطفال جوعى، لا تعنيهم قناعاتنا عن الأكثر ثوابا، وقد يكون العيد لهم رائحة طعام من مواقد قديمة في بيوتهم الفقيرة، هل فكّرنا بهم قبل تنظيراتنا؟ هل فكّرنا بقناعات ثابتة لدى ملايين البشر ومترسّخة منذ آلاف السنين عن ذبح الأضاحي، أو حتى عن تحليل أكل لحم الحيوانات؟ هل من حقّ تنظيراتنا التكبّر على هذه القناعات؟ وهل يحقّ، في المقابل، لمؤمنٍ أن يتهمني بمحاربة الإسلام لأنني أرفض طقس الذبح السنوي؟ هل يفكر كل منا بأن ثمّة نقطة ما محقّة في رأي الآخر، وأن التلاقي في النقاط المحقّة هو سبيل للخروج من مآزق كثيرة تعيق أي محاولةٍ لإيجاد حلول نافعة، ريثما تستقر مجتمعاتنا العربية على ما تنشده شعوبها من مستقبل يليق بها؟ كل عام وأنتم بخير.