أصول الفلامنكو: فليُغنّ فلاح منكم

29 أكتوبر 2016
الصورة
(مغنية الفلامكنو الإسبانية مارينا هيريذيا، تصوير: خوسيه مارسيه)

تعدّدت مقولات مؤرّخي تاريخ الفن حول أصول الفلامنكو. لكن، يمكن أن نجملها في خمس فرضيات، تقترح كل واحدة منها جذراً مختلفاً.

تذهب الفرضية الأولى إلى أن الفلامنكو أصله غجري، وقد أتى به الغجر عبر رحيلهم الدائم وتنقّلهم المستمرّ من السند إلى بلاد فارس، فالعراق، وصولاً إلى بلاد الأناضول وحتى سهول بوهيميا، ثم جنوب أوروبا حيث وصلوا إلى إسبانيا.

لكن أصحاب الفرضيات الأخرى يعتبرون أن ذلك غير دقيق، ويبرّرون رأيهم بأن الأمر لو كان هكذا لاحتفظ الغجر في أماكن أخرى من العالم، حيث عبَروا أو نزلوا، بالفلامنكو واشتُهروا بغنائهم له، كما هو الحال عليه في إسبانيا، وخصوصاً في إقليم أندلثيّا، المنطقة الجنوبية من البلاد.

أمّا الثانية، فتزعم أن الفلامنكو من أصل بيزنطي، حيث نقله البيزنطيون، بعد سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين سنة 1453، إلى بلدان أوروبا، فأثّروا في الموسيقى الشائعة في بلاد مختلفة وفي أشكال الغناء وطرقه، وغيّروا في موسيقى شعوب البلدان التي استوطنوها، حتى أن الكنيسة الكاثوليكية تبنّت هذه الألحان واتخذت طُرق الأداء هذه في طقوسها.

وتعتبر الفرضية الثالثة، أن الفلامنكو من أصل "فلاندري"، وأن البحارة الفلاندريين كانوا يتردّدون على موانئ إسبانيا ببواخرهم، وأسّس بعضُهم في مدينة قادش فروعاً لمصارفهم وشركاتهم التي كانت تتاجر مع الشرق، أواخرَ القرن الثامن عشر وأوائلَ القرن التاسع عشر، فتعلّم الإسبان منهم هذا النمط الغنائي. وقد دُحضت هذه الفرضية، لأنها لو كانت صحيحة لشاع هذا الغناء في بلجيكا أو هولندا، حيث سكن الفلاندريّون.

أما أصحاب النظرية الرابعة، فيؤكّدون بأن الفلامنكو من أصل عربي خلّفه الأندلسيّون في إسبانيا فورثه الإسبانُ عنهم أو تعلّموه منهم، حتى أن أصحاب هذا الرأي يفسّرون كلمة فلامنكو بـ "فلّاح منكم" التي كان يقولها الإسبان لمن بقي من العرب في إسبانيا، والذين أُطلق عليهم اسم المُهجّنين، وكانوا يعملون في البناء والزخرفة والفلاحة والغناء، وكان حين يُطلب منهم الغناء يُقال لهم: فليُغنِّ فلاح منكم.

ويردّ آخرون عليهم قائلين بأنه إذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا يُعرَف الفلامنكو في بلدان شمال أفريقيا، حيث هاجرَ الأندلسيّون فاستوطنوا هناك، وحيث التجأ الموريسكوس بعد أن طُردوا من إسبانيا؟

أمّا الفرضية الأخيرة، فهي السائدة الآن في إسبانيا، والتي ترى أن الفلامنكو من أصل أندلثيّ، بالثاء لا بالسين، أي من المنطقة الجنوبية لإسبانيا، وأصحاب هذه النظرية يُعلّلون التشابه بين أنواع الفلامنكو وأنماط الغناء العربي، وخصوصاً أغاني المغرب العربي، بأن شعب أندلثيّا تأثّر بشكل كبير بالعرب في جميع مظاهر حياته، وحتى في عاداته وطبائعه، فطبيعي إذن أن يُوجد مثلُ هذا التشابه.

* مترجم فلسطيني مقيم في إسبانيا


دلالات