أصدقاء لغتنا: موسى أسوار

05 نوفمبر 2017
الصورة
(موسى أسوار)

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. هنا وقفة مع المترجم الإيراني موسى أسوار، الذي يرى في لقائه مع "العربي الجديد" أن الثقافة العربية تمتاز بتنوّع إقليمي وقومي ولغوي واسع وأدبها يأتي من بيئات متنوعة.

■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
- من الطبيعي أن أهتم باللغة العربية كوني من مواليد مدينة كربلاء، التي بقيت فيها لسنوات إلى أن عدت لطهران لأكمل دراستي بالفارسية. كنت مهتمّاً بالأدب واللغة العربية منذ أيام الصبا. في ذلك الوقت بدأت الكتابة والترجمة. أذكر أنني أخذت على عاتقي منذ كنت في المدرسة، أن أحفظ عشرة أبيات من الشعر الجاهلي يومياً خلال فترات العطلة، حتى قواعد النحو لم أكن متمكناً منها بالشكل المطلوب، لكن الشغف بالشعر والأدب هو ما مكنني من تطويرها كثيراً. حرصت على عدم قطع تواصلي مع العربية رغم انتقالي إلى طهران. كنت أحصل على الكتب العربية بصعوبة بالغة، ومنذ السبعينيات وخلال السنوات الوجيزة التي سبقت الثورة الإسلامية، بدأت بترجمة أعمال أدبية، وأصدرت مجموعة شعرية قديمة باسم "مدائن القمر الأحمر"، وكانت لي مساهمات ومقالات نشرت في "مجلة الحرف" الثقافية الأدبية في العراق، ومن بعدها أصدرت نتاجات شعرية نشرتها صحف عراقية عدة، وبدأت بالنشر لاحقاً في ملحق ثقافي تابع لصحيفة "كيهان" الإيرانية، فنقلت قصصاً وأعمالاً أدبية للفارسية من العربية.


■ ما أول كتاب ترجمتَهُ وكيف جرى تلقّيه؟
- باكورة أعمالي ولدت في زمن الثورة الإسلامية، وهو كتاب "آخر الليل" لمحمود درويش، وصدر في ربيع عام 1979 عن "دار سروش للنشر" التابعة لـ"مؤسسة الإذاعة والتلفزيون"، فكان أول كتاب للدار بعد الثورة أيضاً، وطبع في عشرة آلاف نسخة، وقد أضفت للديوان دراسة مستفيضة عن الشعر الفلسطيني، وكان تلقيه أكثر من رائع، فباعته المكتبات بسرعة، في وقت كانت تطبع الإصدارات بثلاثة أو خمسة آلاف نسخة على أقصى تقدير. وبسبب كونه كتاباً فلسطينياً يحمل نفس المقاومة بصبغة أدبية، لاقى ترحيباً كبيراً في إيران، كما عقدت جلسات حوار وندوات كثيرة حوله، وأصبح كذلك باكورة النشاطات الثقافية في إيران التي ركزت على الأدب الفلسطيني في فترة ما بعد "الثورة الإسلامية".


■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟
- آخر الإصدارات كان قبل عام ونصف تقريباً من الآن، بعنوان "روائع المتنبي"، وهو عمل مطوّر عن كتاب أصدرته قبل اثني عشر عاماً بعنوان "مختارات للمتنبي"، لكنني لم أختر قصائده بنفسي آنذاك، فقد اقترحت "دار هرمس للنشر" حينها، والتي تطبع كتبها بلغتين، كتاباً للمستشرق آرثر جون آربري (1905-1969)، الذي ترجم في عام 1967 مختارات للمتنبي إلى الإنكليزية وطبعتها "جامعة كامبريدج"، فأضفت الترجمة الفارسية لكتابه، إلا أنني شعرت أن المختارات هذه لم توفّ المتنبي حقه، فارتأيت أن اختار له مجموعة أخرى بحسب فهمي ووعيي لشعره وبحسب مكانته. لدى المتنبي قصائد عصماء تستحق الترجمة إلى الفارسية، مقابل أن آربري اختار مجموعته ليظهر مراحل شعر المتنبي، ولم يكن تصنيفه بحسب قيمتها الأدبية، وهو ما ركزت عليه في إصداري الأخير، في كتاب شمل خمساً وخمسين قصيدة سمّيتها "روائع المتنبي"، طبعت بالعربية والفارسية.
الإصدار القادم، سيكون عملاً مترجماً من الفارسية إلى العربية هذه المرة، وهو دراسة مستفيضة لفتح الله مجتبائي، أحد أبرز الأساتذة الأعضاء في "مجمع اللغة الفارسية وآدابها". دراسة تركز على تقاطعات النحو الهندي والعربي، تمت ترجمتها سابقاً إلى العربية بالفعل، إلا أن الإصدار كان ضعيفاً، وسنقدمها في كتاب أفضل بناء على طلب الكاتب نفسه.


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟
- إذا كان المترجم متمكّناً من اللغتين فلن يواجه أي عقبات. بعض المترجمين في إيران، للأسف، ممن حصلوا على شهادة اللغة العربية في الجامعات، يكتفون بهذه الشهادة. على المترجم أن يكون متبحّراً في اللغتين اللتين يترجم منهما وإليهما. هناك مسؤولية علميّة تقع على عاتقنا، وعلى كل مترجم أن يتعلم فن نحت الكلمات ليتجاوز الصعوبات اللغوية، وهي العقبة الأبرز أمام أي مترجم شاب. المسألة الأخرى التي تواجه المترجمين في إيران تتعلق بمسألة استخدام اللهجة الدارجة في الأدب السردي العربي أحياناً. هناك كلمات ومفردات تختلف بين لهجات الدول، وهو ما قد يصعّب المهمة في بعض الأوقات، وتحل هذه المسألة بالقراءة ومن ثم القراءة والقراءة.


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
- هذا صحيح، فإذا ما قارنا النتاج الثقافي الفكري المترجم من العربية إلى الفارسية، نجده نزراً يسيراً مقارنة بالنتاج الثقافي ككل، مردّ هذا الأمر يعود لصعوبة استيعاب المفاهيم الفكرية باللغة العربية في بعض الأحيان، وصعوبة استيعاب السياق اللغوي والعلمي الكامن وراء النص. فلترجمة أي نتاج فكري، يحتاج المترجم أن يكون مفكراً أولاً.


■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسسات في العالم العربي أو بين أفراد، وما شكل التعاون الذي تتطلع إليه؟
- نعم هناك تعاون. في عام 2004 عملت مع مجلة "الآداب" البيروتية، ومع رئيس تحريرها سماح إدريس، وأنتجنا ملحقاً عن الشعر الحديث في إيران بالعربية، في حوالي ثمان وأربعين صفحة، شمل ثلاث مقالات لأساتذة إيرانيين، مع مقدمة ودراسات عن الشعر الحديث، كما قدم آراء للشعراء نفسهم حول تجاربهم الشعرية. بعدها تم إنتاج ملحق عن السينما والمسرح والتيارات الفكرية في إيران، والنشاط الثقافي للنساء فيها، فضلاً عن الأدب السردي. تداعيات الأمر كانت مفاجئة وإيجابية بالنسبة لي، فلاحظت أن صحفاً ووسائل إعلام عربية كتبت عن هذه الإنتاجات. بالطبع سأتعاون مع دور نشر مهتمة لإصدار الكتاب المترجم الذي أعمل عليه في الوقت الراهن.


■ ما هي مزايا الأدب العربي الأساسية، ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
- كل أدب محلي إقليمي يستحق أن ينشر باللغات الأخرى. الأوروبيون مثلاً يفضّلون الأدب اللاتيني كونه يقدم صورة مختلفة، كما يقبلون على قراءة الأدب السردي العربي المترجم الذي يقدم صورة عن الشرق. الأدب العربي علاوة على كونه أدباً شرقياً، إلا أنه أيضا يأتي من بيئات متنوعة، فالثقافة العربية تتوزع في أربع بيئات، الهلال الخصيب وحوض النيل والمنطقة الخليجية وشمال أفريقيا، ويبدو فيها تنوّع إقليمي وقومي وحتى لغوي واسع، وهو أمر يستحق التعرف عليه وعلى تفاصيله.

بطاقة: ولد موسى أسوار في مدينة كربلاء العراقية عام 1952. غادر العراق حين كان في المدرسة الإعدادية عائداً إلى بلده إيران. يحمل البكالوريوس في علوم التربية من "جامعة أصفهان"، وحاصل على الماجستير في فلسفة التربية من "جامعة طهران". ترجم أعمالا أدبية عربية عديدة إلى اللغة الفارسية، منها ما هو قديم ومنها ما هو معاصر، وهو عضو في "مجمع اللغة الفارسية وآدابها".
من ترجماته: "روائع المتنبي" (2016)، وثمانية مجلدات لأعمال جبران خليل جبران صدرت بين عامي 2005 و2009، ومختارات من شعر نزار قباني بعنوان "امنحيني الحب كي أصبح أخضر" (2002)، و"رواد الشعر العربي الحديث، من أنشودة المطر إلى مزامير الورد" وتضمن قصائد مترجمة لسبعة عشر شاعراً عربياً صدر عام 2002، وقصص قصيرة لغسان كنفاني بعنوان "إلى أن نعود" (1990)، و"ديوان آخر الليل" (1979) لمحمود درويش، وكان أول إصدارات موسى أسوار في عام "الثورة الإسلامية". كما ترجم أيضاً "الأدب وتأريخه" لطه حسين، و"إذا لم تكن مطراً حبيبي فكن شجراً" لمحمود درويش وهو كتاب مختارات شعرية حصل على "جائزة الموسم الشعري" في إيران، كما كان أول من ترجم أعمال أدونيس في إيران.
أما إصداره القادم، فسيكون عملاً مترجماً من الفارسية إلى العربية هذه المرة، وهو دراسة لفتح الله مجتبائي حول تقاطعات النحو الهندي والعربي.