أصدقاء لغتنا: مع باولا سانتيان غريم

20 نوفمبر 2018
الصورة
(باولا سانتيان غريم)
+ الخط -
 
 

تقف هذه الزاوية عند مترجِمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع العربية.


■ متى وكيف بدأت علاقتكِ باللغة العربية؟
خلال السنوات الأخيرة، اتّخذتُ شعاراً للإجابة عن هذا السؤال، يتمثّل في الجملة الآتية: "علاقتي مع اللغة العربية هي علاقة امرأة أعجمية مكرّسة للغة الضاد". بدأَ اهتمامي بتعلّم العربية وبثقافات البلدان العربية حين كنتُ طالبةً في آخر سنة بالمدرسة الثانوية (أي حين كان عمري سبع عشرة سنة)، وأخذت تلك العلاقة في النمو يوماً بعد يوم إلى أن أصبحَت تحتلُّ، ليس فقط مساري الأكاديمي، بل مساري المهني والعاطفي كذلك!

بعد تلك التجربة الأولى، وصل موعد اختيار اختصاصٍ لدراسة البكالوريوس في جامعة برشلونة، مسقطِ رأسي. لم أفكّر كثيراً وكان اختياري بطبيعة الحال التسجل في قسم الأدب العربي. كانت هذه اللغة وثقافاتها تجذبني بشدّة. ورغم قربها الجغرافي من إسبانيا، لم أكن أعرف الكثير عنها.

في "جامعة برشلونة المركزية"، كان تدريسُ العربية يجري بطريقة قديمة ومملّة للغاية، وهي طريقة تعرّف في مجال اللسانيات التطبيقية بطريقة القواعد والترجمة، وأعني بمصطلح "القواعد" شرحَها من وجهة نظر الغربيّين وليس العرب. وخلال أوّل سنتين من دراساتي الجامعية، لم أتعلَّم سوى هيكل اللغة النظري، ولكن لم أكن أعرف معنى ولا نطق كلمة "مرحباً" على سبيل المثال.

في 1999، عندما كنت سأبدأ السنة الثالثة، حصلتُ على منحة دراسية من الجامعة لقضاء سنتَين في سورية لدراسة العربية في مركز اللغات الأجنبية بجامعة دمشق. هذه الفترة تمثّل أمتع وقت قضيته في الخارج. هناك، في الشام، تعلّمتُ الفصحى في مركز للغات، والعاميةَ في الشارع.

حينها، كنتُ أقوم بشكل معتاد - وكنتُ أستمتع بذلك! - بشرح القواعد ومضامين الدروس لزملائي بعد الخروج من الصفّ. ومع مرور الوقت، أدركتُ أنني كنت أريد أن أصبح أستاذةً للغة العربية، ولكن كيف؟ أخبرَتني أمّي أن بنكاً في إسبانيا يُقدّم منحاً للطلّاب من أجل استكمال دراساتهم العليا في الولايات المتّحدة الأميركية. قدّمت طلباً بينما كنت أدرس في دمشق للحصول على واحدة من تلك المنح، وبعد إجراءات استغرقت قرابة سنتَين، كنتُ من بين خمسين شخصاً اختيروا للدراسة في الولايات المتّحدة. اختصاصي؟ ماجستير "تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها" في جامعة ميشيغان بمدينة آن أربر.

وصلتُ إلى الولايات المتّحدة قبل شهرٍ من أحداث أيلول/ سبتمبر 2001، والتي كانت سبباً في تزايد الاهتمام بالعربية وتنامي أعداد الطلّاب المسجَّلين في أقسام تعلّمها. ومنذ ذلك الوقت وأنا أدرّس العربية حيثما عشت: جامعتا ميشيغان وميدلبيري في الولايات المتّحدة، وجامعة الأخوين في المغرب، وجامعة غرناطة والبيت العربي في مدريد، وجامعة برشلونة المستقلّة ومدرسة إيسادي للدراسات الاقتصادية وجامعة برشلونة بومبيو فابرا والمدرسة الرسمية للغات في إسبانيا، حيث أعمل حالياً.


■ ما هو أول كتاب ترجمتِه وكيف جرى تلقّيه؟
لستُ مترجمةً أدبيةً بالمعنى الحرفي... أنا مترجمة تحريرية وفورية. ورغم أنني ترجمتُ بعض النصوص الأدبية، فإن معظم أعمالي تتعلّق بالترجمة لأغراض أكاديمية ومهنية. وقد شاركتُ بصفتي عضواً علمياً في عدّة منشورات تتعلّق بتعليم العربية لغير الناطقين بها، كما ألّفتُ (بالعربية والإسبانية والإنكليزية) مقالات علمية عن اللسانيات وعلم اللغة الاجتماعي والترجمة. من بين كل هذه التجارب، لعلّ التجربةَ الأكثرَ تأثيراً فيَّ كانت يوم دخلتُ الأمم المتّحدة لأعمل مترجمةً زائرةً لدى قسم الترجمة إلى الإسبانية.


■ ما آخر إصداراتك المترجَمة من العربية، وما هو إصدارك القادم؟
آخر إصداراتي ليست ترجمات من العربية بل إليها، وهي عبارة عن عمل تطوُّعي لمشروعَين؛ الأول ترجمةُ عدّة قصصٍ من الإنكليزية إلى العربية ضمن حملة نظّمتها "المكتبة الرقمية العالمية"، وتهدف إلى توفير كتب ذات جودة عالية لأطفال ينتمون إلى مجموعات بشرية محتاجة حول العالم. وقد أخذَت الحملة شكل "سباق ترجمي"؛ إذ على المشارِكين ترجمةُ أكبر عددٍ ممكن من الكتب خلال أسبوعٍ لنشرها على موقع المكتبة الإلكتروني لاحقاً.

أمّا المشروع الثاني، فهو عملي كمترجمة (إنكليزي - عربي) ضمن "مشروع حابيشا" (Habesha) في المكسيك، والذي يهدف إلى إدماج مجموعة من الشباب السوريّين في الجامعات المكسيكية لتأهيلهم من أجل إعادة بناء البلد مادياً وإنسانياً حين تنتهي الحرب.

وآخر مشروعٍ شاركتُ فيه كمترجمةٍ ومحرّرة محترفةٍ هو تطبيق "توتة توتة" الذي يحتوي على 250 كتاباً للأطفال بالعربية، وهو مشروع تابع لمؤسّسة "Worldreader" الأميركية التي تسعى إلى تمكين كلّ شخص من أن يكون قارئاً بغض النظر عن ظروفه الاجتماعية أو الاقتصادية أو لغته الأم. يستهدف المشروع اللاجئين السوريّين في الأردن بالتحديد، إلا أن تنزيل التطبيق متوفّر مجّاناً في كلّ مكان. وتجدر الإشارة، هنا، إلى أنّ من بين أهمّ أهدافه توطيد العلاقة بين الآباء، أو مقدّمي الرعاية، وأولادهم، عبر قراءة القصص معاً، وهي قصص ذات مضمون ممتع يساعدهم على التعبير عن مشاعرهم وعلى الإحساس بالأمل، وقد أصدرتها دور نشر عربية مرموقة.


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجِمة من اللغة العربية؟
طُرح عليَّ هذا السؤال مرّات عديدة كطالبة للغة العربية. وبعد تأمُّل فيه، أدركت أنه يمكنني الإجابة على النحو التالي: أعتقد أن العقبات التي تواجه مترجِمي العربية (كما العقبات التي تواجه متعلّمي العربية) تتعلّق بمهارات وقدرات كل مترجِم. شخصياً، قد أجد مشاكل حيث يجد مترجِم آخر متعة ولذّة. إنها أمور تقنية تعود إلى مهارات المترجِم الفطرية وإلى الجهود التي يبذلها من أجل رفع مستواه المهني، وهي متوفّرة في الكتب التنظيرية عن الترجمة، غير أنني إن كان عليّ أن أختار موضوعاً ما للإجابة عن هذا السؤال لاخترت المتلازمات اللفظية وهو الموضوع الذي تناولته في أطروحتي. باختصار، المتلازمات اللفظية هي الطرق التي تختار بعض المفردات لمرافقة مفردات أخرى. مثلاً: ليس هناك سبب معيّن يشير لنا (عرباً كنا أم مستعربين) أن نقول "جريمة نكراء" بل هي عبارة كوّنتها اللغة نفسها ككائن حي. فما هو التفسير وراء اللقاء التلازمي بين هذا الاسم وهذه الصفة؟ في أي لغة من اللغات، مستخدموها هم الذين يكوّنون هذه المتلازمات اللفظية وليس القواعد التقييدية. فإذا قلنا "جريمة قبيحة" وسمِعَنا ناطقٌ بالعربية سيفكّر بينه وبين نفسه أنه تعبير ركيك.


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معيّنَين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظرين إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
قضية "اقتصار الاهتمام على ما يهمّنا" معقّدةٌ أكثر مما نظنّ، ويفسّرها الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونغ- تشول حان في كتابه الأخير، الذي أظنّ أنه لم يُترجَم إلى العربية بعد. ومن أجل تغيير هذا الواقع المتحيّز، لا بد من وجود نية سياسية واجتماعية وفردية مختلفة؛ ولا شكّ في أن تغييراً مثل هذا لا يزال بعيد المنال. إلّا أننا، العرب والمستعربين المهتمّين باللغة والثقافة العربيَّتين، بوسعنا أن نشارك بشكل فعّال في هذا التغيير. كيف؟ أقدّم في ما يلي بعض الأفكار، وهي أمنيات أيضاً، تدور في رأسي منذ زمن طويل: من المفروض أن تكون للغة العربية المكانة التي تستحقّ داخل وخارج البلدان العربية. ومن بين هذه الأفكار: تصميم امتحانٍ رسمي دولي لإثبات الكفاءة والتمكّن من العربية، ونشرُ تعليم العربية للأجانب في العالم، ليس فقط على الصعيد الخاص بل على الصعيد العام وهذا عن طريق إبرام اتفاقيات رسمية مع الجهات المعنية، وأيضاً تكوينُ أساتذة مختصّين في تعليم العربية لغير الناطقين بها، وأخيراً إنشاءُ مراكز خاصة في العالم العربي والغرب للترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية وتخصيص منح لمترجمين محترفين للقيام بترجمات ذات تأثير ثقافي وعلمي.


■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسّسات أو أفراد في العالم العربي، وما شكل التعاون الذي تتطلّعين إليه؟
منذ سنوات، وأنا أتعاون مع عدّة جهات عربية على الصعيدين المهني والشخصي. ويبقى أكبر أحلامي أن أتعاون مع جهة ما تهتمّ بتطوير مضمار تعليم العربية لغير الناطقين بها، لأكون عضواً في لجنة تصميم امتحان رسمي ودولي للبرهنة على الكفاءة والتمكّن من اللغة العربية.


بطاقة
وُلدت باولا سانتيان غريم عام 1977 في برشلونة، وقد حصلت على بكالوريوس في الأدب العربي من جامعتها، قبل أن تنال شهادة ماجستير في تعليم العربية لغير الناطقين بها من جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة الأميركية، ثمّ دكتوراه في اللسانيات العربية من جامعة غرناطة. درّست العربية في جامعاتٍ بإسبانيا والولايات المتّحدة والمغرب. وحالياً، تعمل أستاذة للغة والأدب العربيَّين في "جامعة بومبيو فابرا" ببرشلونة.

 

المساهمون