أسير الاستبداد وأخلاق الاستعباد

31 يوليو 2020
الصورة

(Getty)

يستبدل الاستبداد حاله في ترويض البشر وترويعهم لقبول أخلاق الاستبداد وخُلق الاستعباد وتطبيع عموم الناس على أحوال القطيع، طاردا منظومات قيم الكرامة الإنسانية التأسيسية وأخلاق العزّة المرضية وحال الحرية ورفض كل ألوان التبعية؛ فيصنّع القابليات للحالة الاستبدادية، والتمكين لمسالك أقرب ما تكون من أحوال العبودية، مؤثرا بشكل مباشر وغير مباشر على الحالة الذهنية والعقلية والأحوال الفكرية والوجدانية؛ إلى درجة ينقلب فيها التصور والإدراك، فيفكر أن الدواء في الداء؛ فيختل ميزان حركته فيطلب ضرّه لا نفعه وطغيان المستبد وظلمه؛ لا إرغامه على سيرة العدل في حكمه والإنصاف في حقه؛ فيجري جاهدا إلى حتفه؛ مجتهدا في الإضرار بنفسه،".. الاستبداد يسلب الرّاحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول، ويختلُّ الشعور على درجاتٍ متفاوتةٍ في الناس. والعوام الذين هم قليلو المادة في الأصل قد يصل مرضهم العقلي إلى درجةٍ قريبةٍ من عدم التمييز بين الخير والشر، في كلِّ ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية. ويصل تسفُّل إدراكهم إلى أنَّ مجرّد آثار الأبَّهة والعظمة التي يرونها على المستبدّ وأعوانه تبهر أبصارهم، ومجرّد سماع ألفاظ التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ أفكارهم، فيرون ويفكرون أنَّ الدواء في الداء، فينصاعون بين يدي الاستبداد انصياع الغنم بين أيدي الذئاب؛ حيث هي تجري على قدميها جاهدةً إلى مقرِّ حتفها. ولهذا كان الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة، فضلاً عن الأجسام، فيفسدها كما يريد، ويتغلّب على تلك الأذهان الضئيلة، فيشوّش فيها الحقائق، بل البديهيات كما يهوى، فيكون مَثَلُهم في انقيادهم الأعمى للاستبداد ومقاومتهم الرشد والإرشاد، مثل تلك الهوام التي تترامى على النار، وكم هي تغالب من يريد حجزها على الهلاك". وضمن الحالة الخلقية والقيمية للاستبداد، فإنه يروّج أحوالا زائفة ومزورة، مبررا سياسات طغيانه ومسلك استعباده، فيحسن القبيح ويقبح الحسن ضمن عمليات تزوير كبرى "وقد يظنُّ بعض الناس أنَّ للاستبداد حسناتٍ مفقودة في الإدارة الحرّة، فيقولون مثلاً: الاستبداد يليّن الطباع ويلطِّفها، والحقُّ أنَّ ذلك يحصل فيه عن فقد الشهامة لا عن فقد الشراسة. ويقولون: الاستبداد يُعلِّم الصغير الجاهل حسن الطاعة والانقياد للكبير الخبر، والحقُّ أنَّ هذا فيه عن خوف وجبانة لا عن اختيارٍ وإذعان. ويقولون: هو يربّي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود، والحقُّ أنْ ليس هناك غير انكماشٍ وتقهقر. ويقولون: الاستبداد يقلل الفسق والفجور، والحقُّ أنَّه عن فقر وعجر، لا عن عفّةٍ أو دين. ويقولون: هو يقلل التعديات والجرائم، والحقُّ أنَّه يمنع ظهورها ويخفيها، فيقلُّ تعديدها لا عدادها".

ضمن مسيرة تربية أسير الاستبداد وأخلاق الاستعباد لديه، ولدى غيره من أشباهه في القطيع، تتكون منظومة أخلاق سلبية

وكأن عبد الرحمن الكواكبي يتبع سلسلة سنده في رحم الذاكرة التراثية الحضارية، حينما يستلهم معاني السياسة في ارتباطها بالتربية والقيم الأساسية، فتكون السياسة دوائر تنداح في بيئتها ومساحات فعلها وساحات فاعليتها؛ فتبدأ بسياسة الإنسان الفرد حتى تصل الى أوسع دوائرها في الإنسان الإنسانية؛ في إطار قانون تأسيسي من لا يصلح لسياسة نفسه لا يصلح لسياسة غيره، فيكون ذلك ناهضا بالفطرة الصافية مشفوعا بالخبرة العالية ".. لا تكون الأخلاق أخلاقاً ما لم تكن ملكة مُطردة على قانون فطري تقتضيه أولاً وظيفة الإنسان نحو نفسه؛ وثانياً وظيفته نحو عائلته؛ وثالثاً وظيفته نحو قومه؛ ورابعاً وظيفته نحو الإنسانية؛ وهذا القانون هو ما يسمّى عند الناس بالناموس. ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس، وهو كالحيوان المملوك العنان، يُقاد حيث يُراد، ويعيش كالريش، يهبُّ، حيث يهبُّ الريح، لا نظام ولا إرادة؟ وما هي الإرادة؟ هي أمُّ الأخلاق، هي ما قيل فيها تعظيماً لشأنها: لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة! هي تلك الصفة التي تفصل الحيوان عن النّبات في تعريفه بأنّه متحرّك بالإرادة. فالأسير، إذن، دون الحيوان لأنّه يتحرّك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه. أسير الاستبداد لا نظام في حياته، فلا نظام في أخلاقه، وهكذا كلُّ شؤونه تشبه الفوضى لا ترتيب فيها، فهو يتبعها بلا وجهة. أليس الأسير قد يُرهق، ويسيء كثيراً فيُعفى، وقليلاً فيُشنق، ويجوع يوماً فيضوى، ويخصب يوماً فيتخم، يريد أشياء فيُمنَع، ويأبى شيئاً فيُرغم؟! وهكذا يعيش كما تقتضيه الصُّدف أن يعيش، ومن كانت هذه حاله كيف يكون له أخلاق، وإنْ وجد ابتداء يتعذر استمراره عليه؟! ولهذا لا تجوّز الحكمة الحُكمَ على الأسراء بخيرٍ أو شرّ". من خلال هذه الرؤية التأسيسية لخروج أسير الاستبداد عن أصل الفطرة الأساس في تكريمه والاستمساك بحال عزه وعزته ومخالفته لأصول الناموس الحاكم لافتقاده الإرادة والاختيار ومقتضى الفطنة والاعتبار وتحكم حال الفوضى والصدفة والتبعية في منظومة إدراكه وحركات سلوكه. فـ"الأخلاق أثمار بذرها الوراثة، وتربتها التربية، وسُقياها العلم؛ وتفعل السياسة في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر"؛ والأخلاق لا يمكن الوعي بحال تأثيرها إلا من خلال رؤيتها ضمن رباعية مهمة متفاعلة الصفات الذاتية والفطرية، والتربية والتهذيب، والعلم الفياض، والسياسة بمعنى الرعاية والعناية قياما على الأمر بما يصلحه، والاستبداد الذي يربي أسير الاستبداد يهدم كل ذلك وينقضه من كل طريق وبكل وسيلة لأن ذلك كله ينهض بكرامة الإنسان، ويناهض سياسات الاستبداد والاستعباد.

يقولون: الاستبداد يقلل الفسق والفجور، والحقُّ أنَّه عن فقر وعجر، لا عن عفّةٍ أو دين

ضمن مسيرة تربية أسير الاستبداد وأخلاق الاستعباد لديه، ولدى غيره من أشباهه في القطيع، تتكون منظومة أخلاق سلبية وقيم فاسدة مفسدة، وألفة رياء تصير ملكة وطبيعة لا يفهم صاحبها، وربما لا يحاول الفهم، فيظل جاهلا بأصل دائه، وشر خصاله، ومورد الخلل في مساره ومسيرته، فيجد من التبرير وليس التفسير، فيعزو ذلك لأسباب زائفة وعلل متوهمة، يحيل فيها من غير حجة، ويكيل الاتهامات من غير سند، سوى أن يظل راضيا بما هو فيه من خلق دنيء، وفعل مسيء. أما الحقيقة فلا تعني إلا تخليه بفقدان إرادته عن حريته ورضاه بالأسر في ظل الاستبداد واستمراء أخلاق الاستعباد ".. أسير الاستبداد العريق فيه يرث شرَّ الخصال، ويتربّى على أشرِّها، ولا بدَّ أن يصحبه بعضها مدى العمر. بناءً عليه؛ ما أبعده عن خصال الكمال! ويكفيه مفسدةً لكلِّ الخصال الطبيعية والشرعية والاعتيادية تلبسه بالرّياء اضطراراً حتى .. يألفه ويصير مَلَكةً فيه، فيفقد بسبب ثقته نفسه بنفسه، لأنَّه لا يجد خُلُقاً مستقرّاً فيه، فلا يمكنه، مثلاً، أن يجزم بأمانته، أو يضمن ثباته على أمرٍ من الأمور، فيعيش سيئ الظنّ في حقِّ ذاته متردداً في أعماله، لوّاماً نفسه على إهماله شؤونه، شاعراً بفتور همَّته ونقص مروءته، ويبقى طول عمره جاهلاً مورد هذا الخلل، ويتهم الخالق؛ والخالقُ جلَّ شأنه لم يُنقصه شيئاً. ويتَّهم تارةً دينه، وتارةً تربيته، وتارةً زمانه، وتارةً قومه، والحقيقة بعيدة عن كلِّ ذلك، وما الحقيقة غير أنّه خُلق حرّا ًفأُسر".. إنه حقا شعار "العبودية المختارة"؛ خُلق حرا فأٌسر؛ إنها حقيقة أسرى الاستبداد، حينما تتمكّن أخلاق الاستعباد.