أسواق المال تمتص صدمة فوز ترامب

09 نوفمبر 2016
الصورة
ذهول واضطراب في أسواق آسيا (يويو شينو/Getty)
+ الخط -

 

بدأت أسواق المال تفيق من صدمة الانتخابات الأميركية أمس وتستعيد بعض خسائرها في أعقاب اضطراب كبير ساد التعامل في الساعات الأولى من إعلان النتائج.

وشكل فوز دونالد ترامب بالانتخابات، ليصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة واكتساح الجمهوريين لمقاعد الكونغرس الأميركي، صدمة كبرى لأسواق المال التي بنت حساباتها حتى يوم الاقتراع على أساس فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وبالتالي لاحظ مصرفيون في لندن أن أسواق الصرف والبورصات العالمية شهدت هبوطاً حاداً في التعاملات التي تلت مباشرة إعلان نتيجة الانتخابات، ولكنها سرعان ما عادت للهدوء النسبي وبدأت في امتصاص الصدمة.

لكن عما اذا كان هذا الهدوء الحذر الذي يسود الأسواق سيستمر أم أنه هدوء يسبق العاصفة، فهذا يظل في رحم الغيب، خاصة أن ترامب وعد في حملته الانتخابية أنه سيمزق اتفاقات التجارة واتفاقات التسخين الحراري وسيعمل على معاقبة شركاء التجارة الكبار للولايات المتحدة مثل الصين والمكسيك.

وكانت سوق "وول ستريت" قد عاشت ليلة عصيبة مساء الثلاثاء، حيث بقي المستثمرون ساهرين لمراقبة ما يحدث في مراكز الاقتراع وقراءة توجهات الاستثمار.

وفي التعاملات التي تلت إعلان النتائج هرع المستثمرون لشراء الذهب الذي كسب في التعاملات الصباحية أكثر من أربعة دولارات ليرتفع إلى أكثر من 314 دولاراً، كما تدافع المستثمرون في آسيا التي كانت أسواقها مفتوحة للتعامل في لحظات الاقتراع وإعلان النتائج، لشراء الين الياباني والفرنك السويسرى كـ"عملات آمنة"، وتمت عمليات بيع مكثف للدولار، الذي يسود اعتقاد واسع بين المستثمرين أنه سيهبط خلال الشهور المقبلة.

وخسر الدولار في جولات التعامل الأولى قبل أن يسترد جزءاً من عافيته، حيث خسر 2.6% مقابل الين الياباني، و1.8 مقابل الفرنك السويسري و1.8 مقابل اليورو.

وعلى صعيد الأدوات المالية، اتسعت الفجوة بين ريع سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل والسندات طويلة الأجل مدة 30 عاماً، وذلك بسبب توقعات مصرفية في "وول ستريت" أن الرئيس الجديد سيزيد الإنفاق بالميزانية خلال فترة حكمه لزيادة معدل النمو الاقتصادي.

كما خسرت سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل كذلك بسبب مخاوف من تنفيذ الرئيس ترامب للسياسة الحمائية في مجال التجارة مع شركاء أميركا الرئيسيين.

وهنالك شكوك في الأسواق حول مستقبل استمرارية العديد من اتفاقيات التجارة الحرة والفضاءات المفتوحة التي وقعتها أميركا في السابق مثل اتفاقية "نافتا" واتفاقية الشراكة التجارية عبر الأطلسي وغيرها.

ومن المتوقع أن تشهد أسهم الشركات الأميركية المرتبطة بالتصنيع في الخارج خلال الشهور المقبلة هبوطاً، كما من المتوقع أن يبتعد المستثمرون خلال ما تبقى من العام عن شراء السندات الأميركية قصيرة الأجل والعديد من أدوات الدين الأميركية، إلى حين تتضح سياسات ترامب حين يتسلم الحكم رسمياً في يناير/ كانون الثاني المقبل.

ويمكن القول إن من بين الرابحين من فوز ترامب، حتى الآن هو الذهب وبعض العملات من بينها الفرنك السويسري واليورو والين الياباني. ولكن وحسب بيانات أسواق المال، فإن الخاسرين كثر وعلى رأسهم الدولار والنفط والسندات الأميركية.

وفي أوروبا هبطت الأسهم الأوروبية عند الفتح أمس الأربعاء وخسر مؤشر "ستوكس 600" الأوروبي 1.1%، لكنه يظل أعلى من المستويات المتدنية التي سجلها في وقت سابق. وتصدرت القطاعات المرتبطة بدورة النمو مثل صناعة السيارات والقطاع المالي وشركات النفط قائمة الخاسرين.

كما هبط الدولار يوم الأربعاء في الوقت الذي سجل فيه البيزو المكسيكي مستوى قياسياً منخفضاً، بسبب العقوبات القاسية التي وعد بها دونالد ترامب للمكسيك ومن بينها بناء حائط على الحدود بين بلاده والمكسيك.

كانت الأسواق قد شهدت في البداية عزوفاً كاملاً عن المخاطرة إذ اتجه المستثمرون للتخلص من الدولار والبيزو وشراء العملات التي تعتبر ملاذاً آمناً مثل الين الياباني الذي قفز نحو 4.0% مسجلا أعلى مستوى له في ستة أسابيع عند 100.75 ين للدولار.

وهبط البيزو المكسيكي - الذي ظل بمنزلة مقياس لتوقعات الأسواق في حالة فوز ترامب بالرئاسة - أكثر من 13% إلى أدنى مستوى على الإطلاق دون 21 بيزو للدولار قبل أن يتعافى بعض الشيء ليجري تداوله عند 19.91 للدولار بانخفاض نسبته 8.0%.

وفي أسواق السلع هبطت أسعار النفط أمس الأربعاء بعدما أظهر فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية تقدم المرشح الجمهوري دونالد ترامب على غير المتوقع، ما أحدث حالة من الارتباك في السوق.

كما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى أدنى مستوى خلال الجلسة عند 43.07 دولاراً للبرميل بانخفاض بلغ أكثر من 4.0% عن سعر الإغلاق السابق لتسجل أدنى مستوى منذ سبتمبر/أيلول قبل أن يتعافى قليلاً إلى 43.72 دولاراً للبرميل.

وانخفضت العقود الأجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت 2.43% إلى 44.92 دولاراً للبرميل. وكان دونالد ترامب قد وعد في حملته بسياسة طاقة متناقضة مع توجهات حماية البيئة. وكانت "العربي الجديد" قد توقعت في مقال قبل اسبوع أن النفط سينخفض في حال فوز المرشح الجمهوري ترامب.

ويذكر أنه أقترح في برنامجه الانتخابي أربع نقاط أساسية في سياسات الطاقة. وهذه النقاط تصب جميعها في زيادة التخمة النفطية في العالم وإحداث زيادة كبيرة في إنتاج النفط الصخري والتقليدي بالولايات المتحدة، إضافة إلى زيادة إنتاج أميركا من الفحم الحجري.

وحسب وعود ترامب، فإنه سيعمل خلال دورته الرئاسية على إلغاء التوقيع الأميركي على اتفاقية المناخ الذي قام به الرئيس باراك أوباما في مؤتمر باريس في يناير/ كانون الثاني الماضي، ووقف جميع الدفعات المالية التي تعهدت بها أميركا لبرنامج التسخين الحراري التابع للأمم المتحدة.

كما وعد بإلغاء كل التشريعات التي أجازتها إدارة الرئيس أوباما الخاصة بالتسخين الحراري والبيئة في أميركا خلال السنوات الماضية. وإلغاء جميع القوانين والتشريعات الفدرالية والولائية التي تحد من التنقيب والكشوفات النفطية في أميركا.

كما قال ترامب إنه سيوقف التشريعات الخاصة التي منعت استخدام تقنيات التكسير الهيدروليكي في بعض الولايات وإلغاء أيّ قوانين تعوق إنتاج الوقود الأحفوري في أميركا.

وهذه الوعود إذا نفذها دونالد ترامب فإنها سترفع إنتاج النفط الأميركي بمعدلات ربما تفوق 12 مليون برميل يومياً خلال العام المقبل مقارنة بمستوياتها الحالية.

ولكن رغم هذا الفوز الساحق الذي حققه ترامب يقول اقتصاديون في لندن: "تأتي هذه الدورة الرئاسية في وقت تعيش فيه أميركا مرحلة من فقدان التوازن الاقتصادي، رغم ما تحقق من إنجازات قليلة على عهد الرئيس الحالي باراك أوباما".

حيث ترتفع الديون العامة الأميركية فوق 19 ترليون دولار. كما ترتفع أقساط خدمة هذه الديون حالياً إلى حوالي نصف ترليون دولار، كما يواجه تناقض سياسته مع مكانة الدولار كـ "عملة احتياط" دولية وأداة نقدية لتسوية الحسابات وحفظ قيمة الموجودات.



المساهمون