أسوأ من "كامب ديفيد"

أسوأ من "كامب ديفيد"

24 سبتمبر 2018
الصورة

السادات وكارتر وبيغن في محادثات كامب ديفيد (6/9/1978/فرانس برس)

+ الخط -
مرت أربعة عقود منذ تدشين عملية السلام العربي الإسرائيلي، في منتجع كامب ديفيد في الولايات المتحدة. وبعد تلك الفترة الطويلة، لا يملك المراقب سوى التأمل بحسرة على ما آلت إليه مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصاً في أيلولة التسوية إلى عمليةٍ عبثيةٍ من التفاوض بلا هدف، إلا تكليف العرب بتأمين إسرائيل بلا مقابل.
بدأت تلك الأخطاء العربية من اللحظة الأولى للتفكير في قبول السلام مع إسرائيل. خيار السلام قديم وسابق على "أوسلو" و"مدريد" و"كامب ديفيد"، فلم يكن الرئيس جمال عبد الناصر يمانع في إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، ولكن وفق شروط موضوعية، أولها وأهمها الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. ليست سيناء فقط، أو أيٍّ من الأراضي المحتلة بشكل جزئي، وإنما الأراضي المحتلة ككل. وفضلاً عن الاختلافات الشخصية الكبيرة بين ناصر وأنور السادات، استفاد الأخير من دروس الحقبة الناصرية، خصوصاً في ما يتعلق بطريقة إدارة الصراع مع إسرائيل، فكانت النتيجة قناعة كاملة لديه بضرورة تغيير الرهان المصري والعربي من التعويل على علاقة قوية مع الاتحاد السوفيتي، ومساندة الدب الروسي للجانب العربي، إلى التعامل المباشر مع الولايات المتحدة، واتخاذها راعياً وحيداً، ليصبح زمام الأمور بين يدي واشنطن، من دون غيرها من القوى الكبرى. أو وفقاً لما قاله بنفسه، اعتبر السادات أن "99% من أوراق اللعبة في يدي الولايات المتحدة".
عن الدول العربية، كشفت مذكرات الساسة والدبلوماسيين المصريين أن السادات لم يكن يسعى إلى سلام منفرد، فقد تشاور مع قادة وزعماء عرب، بمن فيهم الرئيس السوري حافظ الأسد، غير أن تفاوت التقديرات، بين الرفض المبدئي للدخول في تسوية سلمية والاعتراض على طريقة تدشينها، حالا دون تبلور موقف عربي جماعي موحد.
إذاً، لا ينفرد السادات وحده بالمسؤولية عن ذلك الانقسام، إذ تشاركه دول عربية، كانت تخشى انكشاف مزايداتها واكتسابها شرعيتها من الصراع مع إسرائيل، ودول أخرى لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع، لكنها وجدت في المسعى الساداتي فرصةً سانحةً لإزاحة مصر وسلبها موقع القيادة، بل وعزلها. بين هذه الدول وتلك، كان الفلسطينيون في حيرةٍ من أمرهم. وكاد عرفات يذهب إلى فندق ميناهاوس، حيث جرت المفاوضات التحضيرية، وظل العلم الفلسطيني مرفوعا حتى اليوم الأخير، لولا أن عرفات تعرّض لضغوط وإغراءات من أطرافٍ عربية، كانت تخشى انضمام الفلسطينيين إلى السادات.
ليس ثمّة خطأ في التحول نحو السلام بديلاً عن الحرب، وإنما في المنهجية التي اتبعت للوصول إلى السلام، ثم لاحقاً بالتخلي عن الدافع الأساسي المنطقي، سواء وراء الحرب أو السلام، وهو استرداد الحقوق.
ووفقاً لما تكشّف من معلومات ووثائق خلال العقود الأربعة الماضية، كان وجه المنطقة العربية سيصبح مختلفاً، لو أن العرب قبلوا بالتسوية السلمية من البداية. لو حدث ذلك، لصار الموقف التفاوضي العربي أقوى، ولَحقق العرب مكاسب أفضل كثيراً من نتائج "مدريد" و"أوسلو" و"وادي عربة" وقبلهم "كامب ديفيد". بل لو حضر العرب، لما قدّم السادات تنازلاتٍ دفعت وزير خارجيته وقتئذٍ، محمد إبراهيم كامل، إلى الاستقالة وسط عملية التفاوض.
قبل أربعة عقود، كانت "كامب ديفيد" بداية الانقسام العربي بشأن إدارة الصراع مع إسرائيل. واستغرق العرب طويلاً، قبل أن يتعلموا من خطئهم بالامتناع. وحاليا، يبدو أنهم لم يتعلموا من أخطاء السادات بالاندفاع. يسير العرب على خطى السادات بحصر رعاية التسوية في الولايات المتحدة. ويذهبون أبعد من السادات بتسوّل السلام، والتسليم علناً ورسمياً بأنه لا خيارات أخرى متاحة، بينما دخل السادات إلى السلام بنصر عسكري، كفل له التفاوض من موضع قوة.
وكما أخطأ العرب في البداية، أخطأوا أيضاً في النهاية، فقد انضموا إلى مسيرة التسوية لاحقاً، بشروط أكثر إجحافاً مما كان مطروحاً في "كامب ديفيد". ثم ها هم الآن يتجاهلون سبب التفاوض، والهدف الأصلي منه. وإذا كانت "كامب ديفيد" قد فشلت في تجميع العرب، وتحقيق سلام عادل وشامل، يستند إلى رد الحقوق العربية، فبعد أربعين عاماً لا أمل يُرتجى من مفاوضاتٍ عبثيةٍ، لا هدف واضح لها، ولا مبادئ تحكمها، ولا مكان فيها لاستعادة أراضٍ أو استرداد حقوق.