أسوأ أنواع الهزائم

14 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
من بين أكثر المواضيع التي شكّلت خلافا كبيرا بين السوريين موضوع سوريي الداخل وسوريي الخارج، إذ مع نهايات 2011 بدأ اللجوء السوري يأخذ شكلا جماعيا، بعد أن كان، إلى حد ما، فرديا ومقتصرا على نخبٍ بعينها، سياسية وثقافية، لم يكن ممكنا الحديث عنها بوصفها ظاهرة. ولكن مع تنوع أشكال العنف والإجرام التي واجه بها النظام ثورة السوريين، ومع تحويل الثورة، بشكل شبه كامل، من ثورةٍ سلميةٍ شعبيةٍ إلى ثورةٍ مسلحةٍ وجهادٍ إسلاميٍّ متطرّف، ومع دخول دولٍ عديدة على خط الثورة السورية، لتتحوّل لاحقا إلى حربٍ متعدّدة الأطراف، بدأت حالة اللجوء تأخذ شكلا جماعيا، خصوصا مع التسهيلات التي كانت موجودة من دول الجوار، (لبنان وتركيا والأردن)، ومصر، باعتبارها الأقرب بين الدول البعيدة. ثم لاحقا الهجرة الثانية من هذه الدول إلى أوروبا، بطرق شرعية أو عبر الهجرة غير الشرعية في البحر والغابات، والتي ذاق فيها السوريون كل أشكال الموت والقهر. بعدما وضعت الدول العربية القريبة قوانين جعلت من موضوع إقامة أو لجوء السوريين إليها أمرا بالغ الصعوبة، بل يكاد يكون مستحيلا إلى حد ما، كانت أوروبا الوجهة التي يستهدفها السوريون في هجرتهم، لما يمكن أن تقدّمه من أمان وحقوق منعتها الدول العربية ودول الجوار عن السوريين. 
على أن هذا الحق في الأمان لم يمرّ مرور الكرام، على عادة السوريين، إذ ما أن بدأ الاستقرار في دول اللجوء، حتى ظهر خلافٌ بين السوريين اللاجئين ومن بقوا في سورية، إذ اعتبر بعضهم أن الهروب من سورية واللجوء إلى دول الخارج تخلٍ عن الثورة، بعدما تم توريط السوريين بما حدث، خصوصا أن حركة اللجوء الأولى كانت لناشطي الرعيل الأول من الثورة، يضاف إليهم عدد لا بأس به من النخب الثقافية، حيث يرى المعترضون أن ليس من حق هؤلاء ترك الجمل السوري بما حمل، متهمينهم باتهاماتٍ عديدةٍ، كالجُبن والكذب والادّعاء، متناسين أن أغلبهم كان معرّضا للاعتقال أو للموت، أو ممن تم اعتقالهم في بدايات الثورة، وباتوا مهدّدين في كل لحظة، عدا طبعا عمن تهدّمت مدنهم. وعدا عن الحق الطبيعي للإنسان بالابتعاد عن أي خطر يمكن أن يلحق به، وعن حقه وحق أبنائه بحياةٍ كريمة وآمنة، ومتجاهلين الأثمان التي يدفعها هؤلاء يوميا في بلادٍ غريبة عنهم، تفرض الاندماج والتأقلم في مجتمعاتٍ تتجه يوميا نحو مزيدٍ من العنصرية والتقوقع! ومتناسين أن كثيرين ممن بقوا في سورية لم يتعرّضوا لأي عسفٍ من النظام، أو استطاعوا تسوية أوضاعهم معه ويعيشون في الشرط الأدنى لحقهم في التعبير، وأن وجودهم في سورية بعد 2013 لم يعد يفيد أو يضرّ الثورة بأي شيء، كما أن توزيع صكوك الغفران والوطنية لمجرد بقاء الشخص في سورية هو نوع من المزايدة، إذ غالبية من أجرم بحق السوريين بقوا في سورية، فهل البقاء في سورية يتيح لأي أحد المزايدة بالوطنية؟
في المقابل، فإن كثيرين ممن خرجوا يعتبرون مجرّد بقاء مثقف أو ناشط في سورية ارتباطا بالنظام ودعما له، متناسين أيضا أن تفريغ البلد هدف رئيسي للنظام الذي يبحث عن سورية مفيدة متشابهة، وأن حديثهم المتواصل عن استمرار الثورة، وهم في الخارج، لا يعدو أن يكون نوعا من التطهّر، فالثورة لا يمكن أن تكون من الخارج إلا إذا كان من يقوم بها دول أخرى وأجهزة مخابرات، على طريقة الثورة الإسلامية في إيران وزعيمها الخميني. ويتناسى هؤلاء أيضا أن اللجوء والخروج من سورية هزيمة للثورة، واعتراف ضمني بهذه الهزيمة. وبالتالي، لا يحق لأحدٍ ممن خرج المزايدة بالثورية والوطنية على من بقي يعيش في أكثر الشروط الإنسانية بؤسا حاليا، بعدما عاش في ظل الحرب اليومية سنوات طويلة، بينما يعيش من خرج إلى دول اللجوء، تحديدا، حياة آمنة وكريمة، وبشرط إنساني محترم، على الرغم من كل الظروف النفسية والاجتماعية المحيطة باللجوء.
ما علينا جميعا، نحن السوريين، الاعتراف به الآن، أن كل الخلاف والاتهامات والشتائم المتبادلة بين الداخل والخارج ليست سوى تغطيةٍ على الصورة الحقيقية للسوريين، أينما كانوا ومهما كان انتماؤهم، صورة الهزيمة بأقسى أشكالها، إذ لا منتصر في حربٍ كهذه، سوى تجار الحرب وسماسرتها من كل الأطراف، الحرب التي دفع الجميع ثمنا لها، وتكاد تجعل سورية مجرّد بلدٍ كان في الذاكرة، ومن السوريين شعبا بائسا ومسكينا، يشعر العالم بالشفقة عليه، وهذا أسوأ أنواع الهزائم.