أسماك ميتة على وجه النهر

15 اغسطس 2016
الصورة
من سلسلة "ألواح هيروشيما" للفنانين ماروكي
+ الخط -

في خزنة متجر عائلتي، هناك بعض السجائر ووصية.

فجأة، قرابة الساعة الثامنة والنصف مساء، قُصفنا من الجو. دُمّرت المدينة في ومضة. كنت في الحمّام، وسمعت صوت انفجار فوقي. ضرب رأسي بالجدار. أصبح كل شيء مظلماً، وسمعت صوت مبنى ينهار.

في ضوء متهالك وشحيح مشيت، وجدت المنزل أصبح حطاماً، البضائع في متجر عائلتي كانت مبعثرة في كل مكان. رائحة سيئة ملأت أنفي، كنت أنزف من حول عيني.

وجدت شقيقتي كيوكو وأدركت وقتها أنني عارٍ، بحثت عن ملابسي. وجدت قميصي، ولم أجد بنطلوني. كان وجه السيد تاتسونو مدمّى، والسيد إيزاكي كان يشتكي من أنه أصيب. تعثرت بحقيبة رماها أحدهم على بقايا الشرفة بينما كان يهرب.

دست على شجرة القيقب الملقاة والبيت المهدّم، وتوجهت إلى حديقة سينتي، ووصلت إلى نهاية جسر ساكيه. في طريقي، بينما كنت أهرب، وجدت بيوتاً يأكلها الحريق. وعبرت بأشجار البامبو الملقاة في الحديقة، ووصلت إلى الضفة العلوية للنهر. قابلت أكثر من عشرة طلاب هناك وبينهم أخي الأكبر.

كان الحريق على الضفة الأخرى من النهر ينتشر بسرعة. سقطت علينا أمطار رعدية. البعض أصيب بالغثيان بمجرّد النظر إلى النهر. كان المد يرتفع ووجدت صندوقاً من البصل يطفو على النهر. ضرب إعصار، وطارت أشجار حديقة سينتي في السماء. سمعت إشاعة أن حاملة صواريخ قادمة لقصفنا.

في وقت متأخر، هدأت الضفة الأخرى من النهر. حاولت أن أذهب إلى هناك، لكني رأيت الكثير من الناس بإصابات خطرة من الانفجار، آخرين كانوا موتى في النهر. كان المنظر مروعاً.

(كتبت هذه الملاحظة بينما كنت أقضي الليل في معبد توشوغو في السابع من آب/ أغسطس. أكملت اليوميات التالية في الطابق الثاني من بيت في قرية ياهاتا)

وصلت إلى الضفة الأخرى من النهر على طوّافة. طلب مني جندي مصاب أن يستند إلى كتفي. بينما كنا نسير معاً لعن القنبلة: قال إنه يفضل أن يموت. خادمة في منزلي في بلدة ياناغي احترقت، وهربت إلى بيت في قرية ياهاتا وهي تحمل ساكورا (ابنة أخي). قالت إنها تركت هانا عند نهاية الجسر (ابنة أخي الثانية).

بعض الأشجار في معبد نيكيتسو كانت مشتعلة. انغمر الشاطئ بالمد ووصل الماء إلى الضفة. هبط الليل. الطالبات المصابات كن ممددات على الأرض. إحداهن تصيح "أماه، لن أستطيع الانتظار حتى الصباح". رجل جريح على الضفة ينادي أسماء عائلته واحداً واحداً، "أماه! أختاه! ميشان!"، طيلة الليل يطلب "أعطوني ماء". امرأة مصابة تصرخ "سيدي الجندي، ساعدني. ساعدني".

في اليوم التالي، وصلت إلى جسر توكيوا والجندي الجريح مستند إلى كتفي. متطوعون كانوا قد أشعلوا النار وأعطونا بعض الرز المسلوق. الجندي مكث هناك ينتظر سيارة إسعاف. وجدت صنبوراً يعمل في حديقة نيكيتسو، بحثت ووجدت زجاجة بيرا مرمية فملأتها بالماء.

كان هناك عدد كبير من المصابين على جانبي الطريق. رؤسهم ووجوههم منتفخة، الشعر تحت قبعاتهم لم يعد موجوداً. كان هناك طابور طويل من الناس ينتظرون بينما ضابط يكتب أسماءهم وعناوينهم، ويعطي كل ضحية رقاقة مكتوب عليها اسمها. كان الجو حاراً جداً.

لم يكن هناك أي ظل، لم يكن هناك أشجار واقفة، جمعنا بعض الأخشاب والحطام وأسندناها على صخور وتفيئنا في ظلّها. انطلق صوت إنذار، وسمعنا طائرات تحوم. أُعطي كل واحد منا زبدية من الأرز.

رجل فقد ساقيه ويديه. طالبة ثانوية تطلب الماء. امرأة بوجه محروق تماماً. كان يتمايل بسروال قصير ملتصق بجلده. هناك خراء وبول في كل مكان يجتذب الذباب. كان المكان وسخاً فعلاً. وصل رجل وسأل عن الماء والأرز.

طالبة ثانوية تحن للماء وتطلبه طيلة الليل. الأرض صلبة وباردة. استيقظت بتصلب في ظهري، ذهبت إلى محطة هيروشيما. المرأة المحروقة الوجه ماتت. الضابط عرّفها بأنها "الشخص الذي أتى من مدينة كيور". الطالبة ماتت أيضاً في وضح النهار. سمعتُ صلوات لبوذا. إنه عار.

برد، كيوكو وأخي التحفا خرقاً سوداء. نمت على غفلة. سمعت صوت إنذار. الجثث كانت متشابهة، رؤوسها متورّمة، وجوهها محروقة بالكامل، ديدان تزحف على الأذرع. سمعت أن عشرات الآلاف من الجثث لم يتم التعرّف على أصحابها وأنها ممددة في ساحة المدينة، وأن أرواح القتلى تطوف حولها وتلقي عليها بضوء شحيح كما لو كان طيف شبح. ماتت جدة أساميس (جارتنا)، وكل زوجات أبناء ميداس.

أولئك الذين لم يحترقوا تساقط شعرهم وتقيؤوا دماً ثم ماتوا واحداً تلو الآخر. سمعت أيضاً أن أولئك الذين دخلوا المدينة أصحاء ليحفروا الأرض بحثاً عن أغراض دفنوها قبل الحرب، عادوا مرضى. أولئك الذين كان لديهم جروح طفيفة على الشفة أو زاوية الفم أو على أصابعهم ماتوا من مضاعفات الجروح بعد أيام. أولئك الذين أكلوا سمكاً ميتاً طفا على وجه النهر ماتوا بعد يومين أو ثلاثة.

في سماء هيروشيما، المدينة التي لم يعد فيها ظلال، شظايا تحوم كما لو أنها طائرات ورقية. على الأرض ضفادع تزحف بعد أن احترقت وتنتظر موتها. إيماموتو قلّب مئات الجثث لنساء منكفئات على وجوههن بينما هو يحاول العثور على زوجته. قال إنه لم يعثر على جثة واحدة ما زالت ساعتها في يدها.

* شاعر ياباني ولد في هيروشيما (1905-1951) من مجموعاته الشعرية "تمهيد للإبادة" و"أرض لرغبة القلب" و"من الأنقاض"
**ترجمة نوال العلي 


دلالات

المساهمون