أسعد دوراكوفيتش.. عن المثقّف الأوروبي والمنطقة العربية

17 ديسمبر 2019
الصورة
(أسعد دوراكوفيتش)
+ الخط -

أسعد دوراكوفيتش أكاديمي ومفكّر معروف في البوسنة وفي العالم العربي بحكم مؤلّفاته التي تُرجم بعضها إلى العربية وترجماته الكثيرة من العربية إلى البوسنوية، والتي استحق لأجلها الفوز بـ"جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي" عام 2018. وهو، بالإضافة إلى عضويته في "أكاديمية البوسنة للعلوم والفنون"، يجمع بين عضوية مجامع اللغة العربية في كلّ من دمشق والقاهرة وعمّان.

يُعتبر دوراكوفيتش (1948) ممثّلاً للجيل المخضرم الذي عايش صعود يوغسلافيا التيتوية في العالم العربي، مع مواقفها المؤيّدة للقضايا العربية وانعكاس ذلك على حركة الترجمة إلى اللغات المختلفة في يوغسلافيا، وعايش أيضاً انهيار يوغسلافيا وما حلّ في وطنه البوسنة (التي كان يُضرب بها المثل في التعايش الإثني والديني) من تطهيرٍ إثني واسع، مع حصار خانق لسراييفو وقصف مدمّر شمل "معهد الدراسات الشرقية" الذي كان يعمل به في 1992.

صحيح أنّه لم ينقطع عن العمل في أصعب الظروف، حيث ترجم "ألف ليلة وليلة" تحت القصف وعلى ضوء الشموع خلال 1992 - 1994، واشتهر بعد استقرار البوسنة بأعماله الأكاديمية الكثيرة التي جعلته من أبرز المثقّفين في البوسنة، إلا أنّ الأوضاع المتقلّبة في العالم العربي وفي تركيا وإيران بعد 2011، أخرجت دوراكوفيتش من منارته الأكاديمية وجعلته يتابع التطوّرات الجديدة ويحلّلها، سواء في مقالاته المنشورة أو في المقابلات الصحافية والتلفزيونية معه، وأصبح بذلك يمثّل حالة "خارج السرب" بالنسبة إلى الأكاديميّين والمثقّفين الصامتين في بلد كالبوسنة عُرف بعلاقته التاريخية والثقافية الوثيقة بالعالم العربي.

وكأنّ ما نشره دوراكوفيتش في الصحف والمواقع الإلكترونية المعروفة لم يكن كافياً له، فأعاد نشر مختارات من مقالاته في كتاب صدر قبل أسابيع في سراييفو بعنوان صارخ "الشرق الأوسط: تهديم كلّ ما بُني بشكل ملحمي"، وهو العمل الذي لم يجد له ناشراً سوى "جمعية الصداقة البوسنوية - الفلسطينية"، لأن ما يتضمّنه لا يشجعّ دور النشر على نشره لكي لا تلحق بها المشاكل من الدول أو الأنظمة المذكورة في الكتاب.

إذا كان ما نُشر في الكتاب قد سبق نشره في صحف ومواقع متعدّدة خلال سنوات 2013 - 2018 إلّا أن الجديد فيه هو المقدّمة المهمّة التي تناول فيها دوراكوفيتش علاقة المثقّف بما يجري حوله في العالم وصمته عن مآسٍ تجري في بلدان كانت أُمّ الحضارات في العالم المعاصر، كما هو الحال في العراق وسورية ومصر وغيرها، ممّا يجعل هذا الصمت نوعاً من المشاركة في الجريمة.

في مقدّمته، ينطلق دوراكوفيتش من اعترافه بأن علاقته بهذا العالم "قوية"، و"لذلك لا يمكن لي، كمثقف، أن أقبل بأن أتجاهل ما يحدث فيه، كما يفعل للأسف غالبية الأكاديميّين الذين لا يمكن اعتبارهم من المثقّفين بسبب موقفهم هذا". وفي هذا السياق، يصل دوراكوفيتش إلى مراجعة العلاقة بين الأكاديمي والمثقّف؛ فالأكاديمي (ويقصد به من كان عضو أكاديمية أو من يعمل في مؤسّسة أكاديمية) لا يمكن تصوّره بدون "التزام أخلاقي" يمثّل موقفه ممّا يحدث في العالم من مآس: "لم أتمكّن أبداً من فهم كيف يمكن للأكاديميّين أن يعيشوا صامتين في هذا العالم، متجاهلين معنى حياتهم: الالتزام الأخلاقي، المسؤولية أمام أنفسهم وأمام المجتمع الذي ينتمون إليه".

ومع أنَّ البوسنة وغيرها من دول يوغسلافيا السابقة لم تعد تعيش تحت "حكم شمولي" كما يُقال، بل أصبحت تحت حكم "أنظمة ديموقراطية"، فإنَّ هذه "الحرية الجديدة" لم تعد تحمي المثقّفين أو تضمن لهم حقّهم في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم تجاه قضايا أو شعوب "الشرق الأوسط"، على عكس ما كان في الماضي. وفي هذا السياق، يقرّ دوراكوفيتش بالسبب الحقيقي وراء صمت المثقّفين الآن - الشعور بالخطر على أنواعه: "إنّ الالتزام الأخلاقي يحمل عدّة أخطار في عصرنا، وهي أخطار تمسّ الوجود: من قبول الشخص في العمل أو طرده منه وحتى التهديد الجسدي". وعلى الرغم من ذلك، يضيف: "أنا واع للخطر، ولكن لا أسمح له بأن يشّلني".

ما يؤلم دوراكوفيتش هو الانفصام الإنساني بين الفرد والحدث البشع الذي لم يعد يحرّك في الفرد مشاعر إنسانية تدفعه للتعبير عنها لاحقاً. وفي هذا السياق، يقول: "إن عالمنا بالإجمال لم يعد إنسانياً؛ إذ نُزعت عنه الصفة الإنسانية في الغالب. ولذلك لا بدّ من الحفاظ وإعلاء قيمة الأمانة التي لا يمكن بدونها للإنسان أن يكون مثقّفاً". ومن هنا يعتبر أنه "من الضروري، الآن وأكثر من أي وقت مضى، السلوك الأخلاقي أو التصرّف بشكل أخلاقي، لأنّ غالبية المثقّفين الآن للأسف تميل إلى الصمت".

من هذا التناول العام للعالم، ينتقل دوراكوفيتش إلى قلب العالم كما يراه: "الشرق الأوسط" (المنطقة العربية وجوارها) وشمال أفريقيا والعالم المسلم، الذي يشهد كما يقول في العنوان "تدمير كل ما بقي بشكلٍ ملحمي"، من دون أن يتردّد في تحديد المسؤول عن ذلك: "إنَّ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم المسلم الآن في حالة كارثية، وهي في الغالب نتيجة لتدخّل البلدان الغربية التي تسعى إلى تدمير شامل لذلك العالم. وهذا الأمر إنما يتحقّق بفضل القوّة الهائلة والتنظيم الممتاز، وخاصة للصهيونية اليهودية - المسيحية (الإنجيلية بالتحديد) التي تعتبر الإسلام الهدف الاستراتيجي الرئيسي. وحتى تكتمل التراجيديا فإن أولئك الناس يؤمنون تماماً بتحقُّق التنبّؤات التوراتية في الشرق الأوسط الذي سيشهد أرمجدون أو المعركة الفاصلة".

ورغم هذا التحديد للعامل الخارجي، الذي يبقى خلافياً بين المحلّلين أو المثقّفين المتابعين لما يحدث، فإنّ دوراكوفيتش سرعان ما يشير أيضاً إلى مسؤولية العرب والمسلمين أنفسهم عن هذه الحالة التي آل إليها مصيرهم، بل يحمّلهم "القسم الأكبر من المسؤولية"، وهو ما تناوله في كتابه ما قبل الأخير "الحروب المعاصرة بين المسلمين: الفهم الخاطئ للإسلام وأزمة العالم المسلم كأزمة ذاتية" (سراييفو، 2015).

في نهاية المقدّمة، يشير دوراكوفيتش إلى أمرَين: يتمثّل الأول في عدم إثقال هذه المقالات بالإحالات والمصادر لأنه أراد أن تصل إلى عموم القرّاء وليس إلى النخبة الأكاديمية. أمّا الثاني فهو ترك المقالات كما صدرت في وقتها (مع تدخُّلات المحرّرين التي لم يكن راضياً عنها دائماً)، لتكون شاهدةً على ما كتبه وما تنبّأ به في حينه. وينتهي هنا إلى القول: "إنّ هذه المقالات نوعٌ من العمل الذي يمكنني القيام به في العالم الذي حُكم علينا بالحياة فيه، وهي تعبيرٌ عن الحالة المدمّرة التي آل إليها، وهي تمثّل أيضاً ظمأي إلى عالم أفضل".

في هذا الكتاب المؤلَّف من 121 صفحة، اختار المؤلف 25 مقالاً من مقالاته المنشورة ومن المقابلات التي أُجريت معه خلال 2013 - 2018، والتي تغطّي الأحداث العاصفة التي ضربت "مهد الحضارات"، كما يقول، وآلت به إلى التدمير والتقتيل والتهجير لسكّانه بشكل متسارع لم يحدث من قبل.

تحمل المقالة الأولى عنوان "مصر أو تدمير مركز العالم العربي"، بينما تحمل المقالة الأخيرة عنوان "في الشرق الأوسط تقترب أرمجدون"، وقد كتبها بمناسبة قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس. كما في المقالَين السابقين، تكشف عناوين المقالات عن مضامينها؛ مثل: "الأنفاق الفلسطينية كدليل على العنف ضد الفلسطينيّين"، و"غزّة: اغتيال الإنسانية"، و"لا يمكن للدول العربية أن تبقى جبانة حين يتعلّق الأمر بفلسطين"، و"المصدر الرئيسي للإرهاب عدمُ حل المسألة الفلسطينية"، و"تسونامي اللاجئين: مجتمعات مدمَّرة وشعوب مُهانة"، و"من المهم جدّاً أن تحافظ تركيا على استقرارها"، و"حلب: رمز للتدمير"، و"عدوان على قدسية القدس".

أكثر من ثلث هذه المختارات من المقالات يتناول فلسطين ومعاناة الفلسطينيّين من الاحتلال والحصار الإسرائيلي، والعربي المسلم في السنوات الأخيرة مع تنامي علاقات بعض الدول العربية والمسلمة مع "إسرائيل"، دون أن ينعكس هذا إيجاباً على وضع الفلسطينيّين سواء في "الضفة الغربية" المحتلة أو في غزّة. كما تتناول بالمشرط مسؤولية المسلمين أنفسهم عمّا آل إليه الحال، ومن ذلك حرصُ بعض الدول العربية على "تصدير" فهمها المنغلق للإسلام إلى دول أوربية (ومنها البوسنة) عوضاً عن أن تنفتح وتتعرّف على تجارب المسلمين الأوربيّين في مراكز ثقلهم الحضاري (دول البلقان).

مع جرأة المؤلف في نقده صمت المثقّفين - في مقدّمته - عمّا يحدث في "الشرق الأوسط" وتشريحه لأزمة العالم المسلم باعتبارها أزمة ذاتية (ترتبط بالفهم الخاطئ للإسلام) ونقده "الحصار المزدوج" الآن على الفلسطينيّين لا يبدو مستغرَباً ألّا يجد جهةً تنشر له الكتاب سوى "جمعية الصداقة البوسنية - الفلسطينية" في سراييفو. ومن هنا يصبح من المفيد قراءة العمل باللغة العربية لمعرفة صاحب هذا "الصوت المنفرد" الذي يُخوّن المثقفين على صمتهم، في الوقت الذي يصبح فيه الصمت على الجريمة جريمةً.


* كاتب ومترجم سوري كوسوفي

المساهمون