أسعار النفط راكدة

25 يوليو 2019
الصورة
احتمال صعود أسعار النفط وارد في نهاية المطاف (Getty)

قالها الشاعر العربي قديماً: "لا يغرّنك ما ترى من دموعٍ/ إن تحت الضلوع داءً دوياً"

... وقياس الأمور بالأسعار الدارجة للنفط يوحي بأن بحرها ساكن، وأن أمواجه سلسلة ناعمة، علماً أن التيار السفلي تحتها يتعارك ويتصارع في اتجاهاتٍ دواميةٍ متناقضة، ما يعطي السطح تلك الرؤية الساكنة الخادعة.

في نهاية عام 2018، تنبأت "وكالة الطاقة الدولية" (IEA) بأن يزيد الطلب على النفط خلال عام 2019 بمقدار 1.5 مليون برميل في اليوم. ولمّا أصدرت تقريرها نصف السنوي، في شهر يوليو/تموز الجاري، عدّلت توقعاتها في ضوء الإحصاءات المتاحة إلى 1.2 مليون برميل زيادة. ولم يمض أسبوع على ذلك التقرير، حتى أصدرت الوكالة تقريراً عدّلت فيه توقعات الزيادة في الطلب بمقدار 1.1 مليون برميل فقط، لكن أسعار النفط بقيت تتراوح في هامش بين 60 و70 دولاراً، والأرجح أن تقديراً أدق سوف يُبقيها في حدود 63 إلى 65 دولاراً للبرميل الواحد من نفط "برنت".

وقد تبيّن أن معدل النمو الاقتصادي في الصين، كما صرحت به الحكومة، قد هبط إلى 6.2%، وهو على الرغم من ذلك الهبوط يبقى من أحسن معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة، إلا أنه أقل مما كان متوقعاً، حيث تراوحت معدلاته بين 6.5% و6.7% للعام 2019. ولذلك جاء الهبوط إلى أدنى من ذلك مفاجئاً إلى حد ما. وحيث إن الصين الآن أكبر مستورد للنفط السائل بمقدار أحد عشر مليون برميل يومياً، فإنه في ضوء هذا التراجع في النمو ينزل إلى 10 ملايين برميل أو أقل.
وكذلك، رأينا أن معدلات النمو في دولٍ كثيرة نمت في السنوات السابقة بمعدلات مرتفعة، وقد بدأت تشهد تراجعاً. ومن الأمثلة على ذلك الهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا ودول الخليج ومعظم الدول الأوروبية، مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وحتى الدول الإسكندنافية. ولهذا، خفّف تراجع معدلات النمو الطلب على النفط.

وبحسب الأرقام المتاحة والتقارير الصادرة عن بنوك كبرى في العالم، مثل "بنك أوف أميركا"، فإن العرض والطلب حالياً متوازنان، وإن المخزون الدولي وصل في الدول الكبرى إلى ما يقارب معدله في السنوات الخمس الأخيرة. ولذلك، ستبقى الأسعار حتى نهاية العام الجاري في حالة يسمّيها الاقتصاديون "التاتونيما" (Tatonements)، خصوصاً في أسواق مثل "نايمكس"، حيث تتذبذب أسعار المزايدات بين الصعود والهبوط، والكل يُدرك أنها ستصل، في نهاية الأمر، إلى سعر التوازن المتوقع.

والتوقعات أن يقلل "مجلس الاحتياطي الفيدرالي" (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفوائد على الدولار رُبع نقطة مئوية (0.25%)، بهدف العودة إلى سياسة التخفيف الكمي (Quantitative Easing)، بما يؤدي، طبعاً، إلى دفع الطلب على النفط إلى الأعلى. وقد اتخذت 3 اقتصادات إجراءً مماثلاً، وهي إندونيسيا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية، ومن المتوقع أن تحذو حذو الولايات المتحدة دول كثيرة تربط أسعار عملتها بالدولار. ويشكل هذا التوقع في تخفيض كلف الاقتراض والاستثمار ظاهرة اسمها "المستفيدة" (ترجمة لكلمة Tailwind) لدفع الطلب على النفط إلى الأعلى.

في المقابل، يشكل عنصرا التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج ومضيق هرمز، وبين الصين والولايات المتحدة حول التفاوض التجاري، مصدر التذبذب الأساسي في أسعار النفط على المدى القصير جداً. فعندما يصرّح وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، بأن دولته مستعدة للتفتيش طويل الأجل على المفاعلات النووية، فإن سوق النفط يتحرّك نحو الهبوط بالأسعار. وإذا استدرجت إيران سفينة تحمل علماً بريطانياً إلى مياهها في مضيق هُرمز يزداد التوتر، وتجنح الأسعار نحو الصعود.
وقد شاهدنا الظاهرة نفسها تحصل عندما صعّد الرئيس الأميركي، ترامب، لغته ضد الصين قبيل اجتماع قمة العشرين في اليابان. ولما التقى الرئيسان شي وترامب، وقرّرا استئناف المفاوضات، هدأت التوقعات وهبط سعر النفط. وإذا أتت الأخبار بتفاؤل بنجاح التفاوض تراجع السعر، والعكس صحيح، وهلم جرّا. وقد أظهرت دراساتٌ أن تطبيق معايير "المنظمة البحرية الدولية" (IMO) لتقليل التلوث الناجم عن السفن سوف يؤدي إلى حصر الزيادة في الطلب على النفط إلى مليون برميل يومياً، بسبب ارتفاع تكاليف الشحن.

وما سيعزّز من قلة مخاطر الشحن في المقابل، هو زيادة النفط المنقول عبر الأنابيب. ويُتوقع أن يزيد هذا النشاط بمقدار مليونَي برميل يومياً، بسبب الوصول إلى النفط البرمي (Permian oil) في الولايات المتحدة، وهو نفط عميق، يُستخرج بالتكسير تحت سطح الأرض، وينقل بالأنابيب.

صار عالم النفط حساساً، وتملك الولايات المتحدة القوة الأساسية في التأثير عليه، وبات العرض والطلب والتذبذب فيهما يتقلبان باتجاهات متعاكسة ومتباينة، ستكون حصيلتها حتى نهاية العام الحالي إبقاء سعر النفط مستقراً حول 65 دولاراً لبرميل خام "برنت".