أسرة أم أفراد؟

أسرة أم أفراد؟

15 مايو 2019
الصورة
عائلة تُشارك في نشاط رياضي (حسين بيضون)
+ الخط -

ليس اليوم الدولي للأسر (15 مايو/أيار) يوماً شعبيّاً. سيمرّ اليوم من دون أن تصنع العائلات قوالب حلوى للاحتفال. والسبب ليس الضائقة المادية. بل إنّه مجرّد يوم يضاف إلى الأيام العالمية الكثيرة التي تملأ الروزنامة الدولية. تقول الأمم المتحدة على موقعها الإلكتروني إنه على الرغم من تغير بنى الأسر في كل أرجاء العالم تغيراً كبيراً في أثناء العقود الماضية بسبب الاتجاهات العالمية والتغيرات الديمغرافية، فإن الأمم المتحدة لم تزل تعترف بالأسرة بوصفها اللبنة الأساسية للمجتمع. وهذا العام، اختارت شعار الأسر وتغير المناخ، وركّزت على الهدف 13 من أهداف التنمية المستدامة.

هل تغيّرت الحياة أو الأسر أو كلاهما؟ هل اختلف الأفراد وأثّروا على البنى التحتية للعائلات؟ الذكريات قد تُعطي بعض الإجابات هنا. كان ثمّة تواصل بين أفراد العائلة... "صبحيّة" وجلوس الأفراد مع بعضهم بعضاً على مائدة الغداء أو العشاء. اليوم، هل يجلسون طويلاً؟ بمجرّد أن ينهي أحد أفراد العائلة طعامه، يترك الطاولة لإتمام عملٍ ما. تقول ديمة، وهي أمّ لثلاثة أطفال وعاملة، إن "الأسرة تعيش اليوم في سباق مع الوقت، وسباق لتأمين الاحتياجات الأساسية، وتلك الاستهلاكية". وفي النتيجة، ترى أن "جميع أفراد الأسرة متعبون. ويتجلى التعب في مشاعر التوتّر والغضب والسلبية". حتى الأطفال برأيها لا يشعرون بالاستقرار في ظلّ وتيرة الركض المستمرّة.

لا يتحدّث فؤاد عن اختلاف في الأسرة بين الأمس واليوم، بل يرى أن مفهوم الأسرة لدى كلّ شخص يتعلّق بالتجربة الشخصية التي عاشها كابن لأسرة، والشكل الذي يريد لأسرته المستقبلية أن تكون عليه، سواء في الالتزام بما كانت عليه أسرته كابن، أو مخالفة قواعدها، أو بعضها، ببساطة لأنّه لم يكن راضياً عنها. يضيف أن الظروف المختلفة الخارجة عن خططه الشخصية قد تحبط جهوده في الالتزام أو الافتراق والمخالفة، كالظروف الاقتصادية والثقافية المتغيرة بتغير الزمن، ودخول عوامل جديدة من بينها الحرب والسلم، والمستوى التعليمي، وطباع الزوج أو الزوجة. يقول: "أنا في الثامنة والثلاثين ولم أتزوج بعد، ولا أعرف مستقبل هذا الأمر.
لكنني متمسك بالوحدة العائلية وأساند أشقائي وأبناءهم وأساعدهم وأحبهم وأخاف عليهم. أعتقد أنّ هذا هو جوهر الأسرة في يوم عالمي أم في غيره".

ولأنّ الأمر مرتبط بالتجربة الشخصيّة في أحيانٍ كثيرة، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية، تتحدّث باسمة، وهي أمّ أيضاً، عن تراجع ما كان يُسمّى بوحدة العائلات في ظلّ ارتفاع نسبة الطلاق. وترى في هذا أنانية وطغياناً للفردانية على التكتّل الذي كان ويفترض أن يجمع الأفراد في ظل الأسرة. "وهذا قد يكون مرتبطاً بالضغوط الناتجة عن واقع الحياة المعاصر والرغبة في الفرار".



وهل يمكن القول إنّ الأسرة اختلفت اليوم عمّا كانت عليه؟ وإذا كان ذلك حقيقياً، من يتحمّل المسؤولية؟ وما هي النتائج المتوقعة؟ لا شك أن المجتمع والعلاقات بين الأفراد وداخل الأسر تشهد تغيّراً لم يتبلور بعد. تقول المستشارة الاجتماعية التربوية دانيا بشناتي كريدية لـ"العربي الجديد"، إنّ "الأسرة كانت أمراً بديهياً، وهي عبارة عن مبادئ وأدوار وهيكلية واضحة واحترام... كانت الأسرة نواةً واضحة لكلّ فرد من أفرادها، ما يساعد على نمو الطفل بطريقة سوية". لكنّ واقع الحال مختلف اليوم "في ظلّ كثرة الضغوط والهجرة والحرب والحرمان والفقر ونزول المرأة إلى سوق العمل والتطور التكنولوجي". تضيف: "على سبيل المثال، الأم تعجز أحياناً عن بثّ طاقة إيجابية في البيت بعد العمل. كما ساهم الإنترنت والتكنولوجيا في إلهاء أفراد الأسرة، عدا عن المشاكل الاجتماعية الأخرى". وترى أنه "حين تتفكك العلاقات بين الأفراد داخل الأسرة، نتجه نحو الفردانية. وفي النتيجة، هناك خطر ولا بد من صرخة توعية لتذكيرهم بأنهم ضمن الأسرة التي تعد الخلية. منها، يحصلون على الدفء العاطفي والاستقرار". وتوضح أن "الأسرة هي الخلية الأولى للإنسان. في هذه الأيام، تحتاج إلى دعم لأنها تمر بتحديات كثيرة وتهديد بالتفكك".

وتتابع كريدية إنّه "كلّما زادت الاختلافات وعدم تقبّل الآخر في البيت، اضطرب الأطفال والأم والأب داخل هذه الخلية، ووزادت حدة الغضب". وتوضح أنه "من خلال الأسرة، يشكل الطفل هويته الجنسية والقيم والمبادئ والمرونة الفكرية ويطوّر قدراته التي يكتشفها ضمن الأسرة". تضيف: "الأسرة هي المجتمع الصغير الأول للطفل، ويجب تأمين السلام داخلها لينقله إلى الخارج".