أستانة: حرب إبادة ممنهجة على شمال غربي سورية بين جولتين

01 اغسطس 2019
الصورة
يستخدم النظام وروسيا سياسة الأرض المحروقة (محمد سعيد/الأناضول)
+ الخط -


تكتسب الجولة الجديدة من مفاوضات أستانة بين الثلاثي الضامن في سورية، والتي تبدأ اليوم الخميس وتستمر غداً، أهمية خاصة، كونها تأتي في خضم صراع على منطقة التصعيد الوحيدة التي يشملها هذا المسار التفاوضي، وهي المنطقة الرابعة التي تضم محافظة إدلب ومحيطها، والتي تتعرض لحرب إبادة ممنهجة منذ فشل الجولة السابقة أواخر إبريل/نيسان الماضي، وهو ما يؤكد أن اتفاقاً روسياً تركياً حيال مصير محافظة إدلب ومحيطها لا يزال بعيد المنال في المدى المنظور.

وتبدأ اليوم الخميس الجولة 13 من مفاوضات أستانة في العاصمة الكازاخية نور سلطان،  على أن تُختتم غداً الجمعة، وتضم الثلاثي الضامن في سورية، روسيا وإيران وتركيا، بمشاركة العراق ولبنان كـ"مراقبين" للمرة الأولى في هذا المسار التفاوضي الذي يهدف إلى مناقشة العديد من القضايا، منها الوضع في محافظة إدلب، وملف المعتقلين، وملف اللجنة الدستورية. وقالت مصادر في المعارضة السورية، لـ"العربي الجديد"، إن وفداً من قوى الثورة العسكرية سيشارك في جولة أستانة. وكانت ارتفعت أصوات في الآونة الأخيرة تطالب بمقاطعة الجولة الجديدة بسبب المجازر التي تُرتكب بحق المدنيين، منها رئيس الهيئة العليا للتفاوض التابعة للمعارضة السورية نصر الحريري، الذي أعلن، منذ أيام، عن توقّف العملية السياسية ووقف تواصل الهيئة مع روسيا على خلفية التصعيد الكبير على مدن وبلدات محافظة إدلب، داعياً وفد المعارضة المسلحة إلى مقاطعة الجولة المقبلة من مسار أستانة في نور سلطان وذلك بسبب التصعيد الروسي في إدلب. كما أكد قياديون في "جيش العزة"، أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، أن "الروس يريدون استعادة كل المنطقة المحررة في شمال غربي سورية".

من جهته، أعلن رئيس وفد المعارضة السورية إلى أستانة، أحمد طعمة، في مؤتمر صحافي أمس الأربعاء، أن الوفد سيلتقي خلال المباحثات وفد الأمم المتحدة، وسيناقش مسار اللجنة الدستورية وأوضاع اللاجئين في لبنان. وأضاف: "دورنا في أستانة أن يصل صوت محاربينا إلى المحافل الدولية، وسنكون مكملين لعملهم، ولن نضيّع ما سطره الأبطال في ميادين الوغى". وتابع: "لقد قارنا بين وجودنا في مؤتمر أستانة من عدمه، ووجدنا أن وجودنا وتمثيلنا هو الأفضل، كما أن النظام السوري يستخدم جميع أذرعه العسكرية والسياسية"، مضيفاً: "ذاهبون إلى أستانة بعد فشل نظام الأسد في كل جولاته، وسنثبت دورنا السياسي المكمل للدور العسكري، وأي عمل عسكري ناجح ما لم يتم استثماره سياسياً سوف يضيع". واعتبر أن "أستانة ما يزال المسار الوحيد حالياً لمناقشة مستقبل سورية، ومستقبل اللجنة الدستورية مع وجود مؤشرات لإعلانها قريباً".

وكانت الجولة 12 من هذا المسار، قد عُقدت أواخر إبريل/نيسان الماضي،  من دون تحقيق نتائج مهمة تذكر، ما خلا كلاما إنشائيا صدر في بيان ختامي، كتأكيد الالتزام بالسيادة الوطنية لسورية، والوقوف في وجه كل المخططات الانفصالية في سورية، والتشديد على أن الحل لن يكون إلا سياسياً، والعمل على الإسراع في تشكيل اللجنة الدستورية. وانعكس فشل الجولة تصعيداً غير مسبوق من قبل قوات النظام ومليشيات محلية تدعمها، ومن الطيران الروسي على محافظة إدلب ومحيطها، لم يتوقف حتى اللحظة، رغم نتائجه الكارثية على المنطقة الأخيرة التي يشملها هذا المسار، الذي ترى المعارضة أنه وُجد لـ"تصفية القضية السورية برمتها من قبل الروس". وطيلة أكثر من 90 يوماً، وهي المدة بين الجولتين، قتل وهجّر الطيران الروسي وطيران النظام وقواته على الأرض عشرات آلاف المدنيين، ودمّر منشآت حيوية، وخلق مآسي تهدد نحو 4 ملايين مدني في المنطقة الضيقة جغرافياً. وكاد التصعيد الكبير على الشمال الغربي من سورية يطيح ليس بتفاهمات أستانة واتفاق سوتشي ذات الصلة فحسب، بل بالعلاقة التي تربط تركيا بروسيا، إذ أقدمت قوات النظام على استهداف أكثر من نقطة مراقبة تركية في ريف حماة الشمالي في إبريل ومايو/أيار، ويونيو/حزيران، بشكل مباشر ومتعمد، استدعى رداً مدفعياً تركياً. واعتبرت مصادر عسكرية ودبلوماسية تركية، في حينه، أن "القصف هو بمثابة استمرار للرسائل الروسية إلى تركيا حول ضرورة تقديم تنازلات في منطقة جنوب إدلب، وشمال حماة، التي تعرضت للقصف". واختارت تركيا سياسة ضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات التي تهدف الى خلط أوراق الصراع في منطقة تعتبرها أنقرة جزءاً من أمنها القومي.


ويؤكد الوضع في شمال غربي سورية أن الجانبين الروسي والتركي لم ينجحا في تجسير هوة الخلاف بينهما حيال مصير محافظة إدلب ومحيطها، رغم أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة الشراكة الاستراتيجية عقب شراء الأتراك لمنظومة "إس 400"، ما أدى إلى فتور في العلاقة بين أنقرة وواشنطن. واعتمدت قوات النظام والطيران الروسي سياسة الأرض المحروقة لتدمير كل مظاهر الحياة في ريفي حماة وإدلب، وتمهيد الطريق أمام مليشيات النظام للتقدّم البري لقضم المزيد من مناطق المعارضة المسلحة في الريفين. ونجحت هذه القوات في بدايات مايو الماضي بالتقدم على حساب فصائل المعارضة، وسيطرت على 18 بلدة وقرية في ريف حماة الشمالي والغربي، هي جنابرة، وتل عثمان، وجابرية، وتل هواش، وتويه، وشيخ إدريس، وكفرنبودة، وقلعة المضيق، والتوينة، والشريعة، وباب طاقة، والحمرة، والحويز، والمهاجرين، والكركات، والمستريحة، والخالدي والحرداني. كما خسرت المعارضة قرى في ريف إدلب الجنوبي، أبرزها القصابية التي كانت بحكم الساقطة عسكرياً ومن الصعب الدفاع عنها، حسبما أفاد مصدر في فصائل المعارضة السورية.

لكن المعارضة المسلحة صمدت أمام قوات النظام، التي وجدت نفسها عاجزة عن التقدم، إثر استقدام فصائل المعارضة لتعزيزات كبيرة إلى جبهات ريف حماة الشمالي من نقاط تمركزها في ريف حلب الشمالي. وفي بداية يونيو استعادت فصائل المعارضة زمام المبادرة، وشنت أكثر من هجوم على قوات النظام تكلل بدحر الأخيرة عن منطقتي تل ملح وجبين في ريف حماة الشمالي في السادس من يونيو الماضي، إثر معارك ضارية مع قوات النظام التي حاولت مراراً استعادتهما، إلا أنها فشلت، على الرغم من مئات الضربات الجوية من قبل مقاتلات روسية وطيران النظام، كما أنها خسرت المئات من عناصرها بين قتيل وجريح في المحاولات الفاشلة. لكن هذه القوات استعادت الإثنين الماضي المنطقتين عقب قصف جوي غير مسبوق. وأكد قيادي في الجيش السوري الحر، لـ"العربي الجديد"، أن الطيران الروسي "حرق منطقة تل ملح". وحاول النظام منذ بدء الحملة اختراق محور تلة الكبانة في ريف اللاذقية الشمالي لقلب معادلات الصراع بالتقدم باتجاه مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي، لكن قواته فشلت عشرات المرات في التقدم على هذا المحور، وتكبدت خسائر فادحة في أرواح مسلحيها، وهو ما رفع منسوب الاحتقان في مناطق الساحل السوري التي وصلت إليها جثامين القتلى بسبب الهزائم المتلاحقة.

وكان من الواضح أن الروس كانوا يخططون لإخضاع شمال غربي سورية للتوجه إلى طاولة أستانة لفرض ما يريدون على الجانب التركي، لكنهم فشلوا في ذلك، وهو ما يدفعهم الآن إلى محاولة تثبيت خارطة السيطرة الجديدة التي تتيح لقوات النظام البقاء في 18 بلدة وموقعاً سيطرت عليها خلال مايو الماضي. لكن الجانب التركي، الضامن للمعارضة، يطالب بعودة قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، المبرم في سبتمبر/أيلول الماضي، قبل البحث في أي اتفاق جديد يوقف إطلاق النار. ومن المتوقع أن يضغط الروس من أجل فتح الطرق الدولية في الشمال الغربي من سورية كما نصّ اتفاق سوتشي. ولعل من أهم أسباب التصعيد على محافظة إدلب السيطرة على الطريقين الدوليين الهامين، حيث يربط الأول مدينة حلب بمدينة حماة ومن ثم إلى العاصمة دمشق، فيما يربط الثاني حلب بالساحل السوري. ويشكل استئناف العمل بالطريقين مصلحة لكل الأطراف، لكن النظام يريد اتخاذ هذا الأمر ذريعة للسيطرة على كامل ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي اللذين يمر بهما الطريقان.

ومن هنا تكتسب الجولة الجديدة من مفاوضات أستانة أهمية استثنائية في مسار الصراع السوري، فإما اتفاق روسي تركي يعيد الهدوء إلى جبهات القتال، أو فشل جديد يدفع ثمنه ملايين المدنيين في محافظة إدلب ومحيطها، وهو ما يعيد الصراع إلى المربع الأول. وراوح مسار أستانة مكانه في العديد من الملفات التي كان من المفترض به التعامل معها وإيجاد حلول لها، وفي المقدمة ملف المعتقلين، بل إن النظام رفع سقف تحديه لهذا المسار لدرجة أنه أفرج عن قوائم آلاف المعتقلين الذين قتلهم تحت التعذيب في سجونه، في رسالة مفادها أنه غير آبه بكل الجهود التي تُبذل من أجل تمهيد الطريق أمام حل سلمي للصراع في البلاد. وكانت الجولة الأولى من مفاوضات مسار أستانة عُقدت في 23 يناير/كانون الثاني 2017، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب خروج المعارضة السورية المسلحة من أحياء حلب الشرقية، وفق اتفاق روسي تركي، كان البذرة الأولى لمسار أستانة. وعقدت 12 جولة مفاوضات ضمن هذا المسار كانت وبالاً على المعارضة السورية المسلحة، حيث خسرت بسبب أستانة مناطق سيطرتها في جنوب سورية وغوطة دمشق الشرقية ووادي بردى شمال غربي دمشق، والقلمون الشرقي، وريف حمص الشمالي. ولم يبق للمعارضة السورية إلا الشمال والشمال الغربي من سورية، الذي بات منطقة نفوذ تركي، لذا من المتوقع أن تدافع فصائل المعارضة عن هذه المنطقة حتى الرمق الأخير، حيث "لا إدلب بعد إدلب" بل استسلام غير مشروط يعني انتصاراً إعلامياً للنظام وحلفائه بالحرب، ما يفضي إلى فرض تسوية للقضية السورية تُبقي النظام ورموزه في السلطة كما يخطط الروس.